كتاب وأراء

شيء من التأمل

ليس من المفروض أن تكون جادّاً على طول..وليس من المطلوب منك أن تحلِّل أعتى الأحداث، لمجرّد أنك تطالع أنباء العالم كلَّ يومٍ..
أعطِ مساحةً للترويح المريح، وليس للتهريج المُخِلِّ بقواعد السلوك القويم. وأصغِ لكلمات باحثٍ قادرٍ على سبر أغوار الحقيقة، ذي بصرٍ وبصيرة، وقدرةٍ على فهم مجريات الأمور، وتعاقب الليل والنهار، ومعرفة ما يجري وراءَ الستارِ، وما تتكتَّمه الأخبار من أسرارٍ..
بهاتيْن النصيحتيْن اللتيْن أزجيهما لك مع فنجان قهوتك الصباحي، أعتقد أنك سترى الدنيا من وراء ستارةٍ شفافةٍ باهرة الحُسن والجمال، ففي كلٍّ منا مساحةٌ لطفلٍ لانزال نحتفظ بها، حتى لو شاخ بنا الزمن، فمشاركتك ألعاب طفلٍ صغيرٍ، ترويحٌ لقلبك، وخروجٌ من إسار الياقة المُنشّاة، والعبوس القمطرير.
كان رئيس وزراء بريطانيا الأسبق «وينستون تشرشل» يتنزّه على قدميه، في إحدى الطرقات الفرعية في العاصمة لندن، أبصر مجموعةً من الصبية يلعبون كرة القدم، تلفّت في كلِّ الاتّجاهات، ثم اندفع نحو الكرة، وشاطها، فارتاح، وواصل مسيره.
في كلٍّ منا طاقةٌ خبيئةٌ وحبيسةٌ، تلحُّ علينا بالانطلاق، ولكننا- ولظروف الحياة ومجاملاتها- نحبسها، ونتحيّن الفرَصَ لإطلاقها..قد تكون الفرصة بمشاركة الصغار مرحهم ولهْوهم، أو الضحك بقهقهةٍ عاليةٍ على عملٍ كوميديٍّ راقٍ، أو سماع أغنيةٍ شجيةٍ بكلماتٍ شاردةٍ، لمطربٍ أو مطربةٍ حباهما الله حنجرةً سليمةً، غير حنجرة المطرب حبيب الحمار والعياذ بالله، أي شيءٍ يخرجك من الصمت والتأمّل، ويحملك على فكّ التكشيرة..فالحياة ليست نكداً، وفلسفةً وكلماتٍ غامضة، وتحليلاتٍ تستخدم فيها عبارات:إذ إن، وحيث إن، وربما، أو تهويماتٍ مراهقة بعبارات من الألفاظ المتشعلقة والمعاني الغامضة..الحياة أسهل من ذلك بكثير..
يروي كاتبنا الكبير المرحوم «أنيس منصور» أن أستاذه العقاد أبدى إعجابه بمقالةٍ كتبها، فأعرب حينئذٍ عن قلقه، معللاً ذلك بالخشية من أن يكون قد نحا بأسلوبه نحو أسلوب العقاد المعروف بصعوبته، وعاد يبسّط كلماته، وأفكاره، ويكتبها رافصةً تسعد القارئ، وتحقق له هدفيْ: المتعة والإفادة..
الحياة بسيطةٌ في كل مفرداتها، فابحثوا عن جمالياتها، وفكّوا التكشيرة..
آخر سطر:
حوَت الجمالَ، فلو سلكتَ سبيلها...
في الوصلِ، حُسناً ما استطعتَ مزيدا
لو مرّ بالوِلدان طيفُ جمالها.......
في الخُلدِ، راحوا رُكَّعاً وسجودا
(شوقي)
بقلم : حسن شكري فلفل

حسن شكري فلفل