كتاب وأراء

التعصب المبالغ !

قد تعادي شخصًا لأنه أساء لك أو اعتدى على حق من حقوقك، وهذا موقف مفهوم مشروع، وقد تعادي شخصًا لأنه ينافسك أو يزاحمك على مصلحة من المصالح أو مكسب من المكاسب، وهو أمر وارد وقابل للنقاش، أما أن تعادي شخصاً لأن له رأياً يخالف رأيك في قضية علمية أو دينية أو سياسية، فذلك موقف لا يسوّغه لك الشرع ولا العقل.
وأنت حينما تعادي زيداً أو عمراً لأنه يخالفك في هذا الرأي أو ذاك، هل ترضى أن يعاديك الآخرون على هذا الأساس؟ إنك لا تقبل أن يسيء إليك أحد لأنك تحمل رأياً معيناً، حيث تعتبر ذلك شأناً خاصاً بك، وتعتقد بأحقية رأيك، وعليك أن تعرف أن الآخرين يرون لأنفسهم ما ترى لنفسك، فقد يبالغ بعض الناس في التعصب لآرائهم، ويفرطون في الثقة بها، بحيث لا يفسحون أي مجال ولا يعطون أي فرصة للرأي الآخر، فهم على الحق المطلق دائماً، وغيرهم على الباطل في كل شيء، وينتج عن هذه الحالة غالباً موقف التطرف والحديّة تجاه المخالفين، وحتى في الاختلاف عند بعض القضايا الجزئية، والأمور البسيطة الجانبية.
والتعصب المطلق للرأي، والحدية والتشنج تجاه آراء الآخرين، يمنع الإنسان من الانفتاح على الرأي الآخر، واستماعه والاطلاع عليه، وربما كان هو الرأي الصحيح والصائب، ثم أن ذلك قد يجعل الإنسان في موقف حرج مستقبلاً إذ قد يتبين له خطأ رأيه، فكم من إنسان تراجع عن رأيه، وتغيرت قناعاته؟ وتلك حالة طبيعية قد تحصل للإنسان تجاه مختلف المسائل والقضايا، فحينما تعتقد أحقية رأي معين، وتجد آخرين يخالفون هذا الرأي الحق في نظرك فإن عليك قبل أن تتهمهم بالعناد والجحود والمروق، وأن تتخذ منهم موقفاً عدائياً، عليك أن تتفهم ظروفهم وخلفية مواقفهم، فلعل لديهم أدلة مقنعة على ما يذهبون إليه، أو لعلهم يجهلون الرأي الحق، لقصور في مداركهم ومعلوماتهم، أو لعلهم يعيشون ضمن بيئة وأجواء تحجب عنهم الحقائق، أو لعلّ هناك شبهات تشوّش على أذهانهم وأفكارهم، وتجاه مثل هذه الاحتمالات فإن المطلوب منك هو دراسة موقف الطرف الآخر، ومعرفة وجهة نظره، والدخول في حوار موضوعي معه، ومساعدته على الوصول إلى الحقيقة.
إن الإنسان قد يؤمن برأي من الآراء، ويعتبره حقيقة واضحة، تصل إلى مستوى المسلمات والبديهيات، لأنه قد أشبع الأمر بحثاً، وانشد إليه نفسياً، وعاش ضمن محيط قائم على أساس ذلك الرأي، فالمسألة أمامه واضحة جلية لا نقاش فيها، لكن الأمر ليس كذلك بالنسبة للآخرين.
وفي النهاية فإن اختلاف الرأي ظاهرة طبيعية في حياة البشر، ولا يصح أن تكون سبباً للتعادي والتخاصم، بل ينبغي أن تستثمر لصالح تكامل المعرفة، واكتشاف الحقيقة، وإثراء الساحة الثقافية، وأفضل خدمة تقدمها للرأي الذي تؤمن به، حسن تعاملك مع الآخرين، لتقدم بسلوكك الطيب أنموذجاً مقبولاً لأفكارك، ولتكون بسيرتك الصالحة داعية لآرائك، أما أسلوب العداوة والتشدد، فهو يسيء إلى التوجه الذي تنتمي إليه أولاً، وإليك ثانياً.
بقلم : خولة مرتضوي

خولة مرتضوي