كتاب وأراء

لو كانت قضية المختطفين مرتبطة بالمال .. لانتهى اختطافهم في أيامه الأولى

العبادي.. والضرب على «الدمبك»

العبادي.. والضرب على «الدمبك»

على مدى أكثر من 16 شــــــهرا من مأسـاة اختـــطاف أبنائــــنا القطرييــــن في العـــراق، الذين نجحت قيادتنـــا بإرادتها الناجــــعة، وتوجــــــهاتها الراجحة، وإدارتها الناجحة، في الإفراج عنهـــــم، لم يظهر رئيـــــس الحكومة العراقيـــــة حيدر العــــبادي إحســـاسا بالمسؤولية ناحية حل مشكلتهم، ولا حماسا باتجاه إنهاء محنتهم، حيث تعامل مع المأساة منذ بدايتها وكأنها مجرد «حادث مروري» عابر، في شارع «السعدون» الواقع على جانب «الرصافة» في العاصمة بغداد، لا يستحق منه التحرك أو يستوجب الحراك، أو حتى التوجيه من وزير داخليته بإرسال «شرطة المرور» لتنظيم حركة السير في الشارع!
.. وطوال شهور الأزمة الطويلة التي جثمت على صدورنا جميعا ظل «العبادي» صامتا، فلم يخصص مؤتمرا صحفيا واحدا للحديث عن أزمة المختطفين في بلاده وتطوراتها ومستجداتها، وكأن الاختطاف لم يكن في عهده، والحكومة ليست في عهدته، ولكنها في عهدة «الحجاج بن يوسف الثقفي»!
.. أو أن البلاد في عهد «التتار»، الذين اجتاحوا بغداد كالجراد، في العاشر من فبراير عام 1258 بعد الميلاد، إثر تواطؤ «ابن العلقمي» وزير الخليفة العباسي «المستعصم»، مع «هولاكو» قائد الغزو المغولي!
.. وما من شك في أن موقف «العبادي الصامت» طوال الشهور الماضية كان صادما، بل يمكن وصـــــفه باللهجة العراقية، بـــأنه «صـــــــامـــوط لامـــوط» في الوقـــــت الـــذي كــــان فيه ضيوف بلاده يواجهون خطر الموت!
.. وبعد تحرير المختطفـــــين وعـــودتهــــــم سالمين إلى وطنـــهم معـــــززين مكــــرمين، لأنهم «اعزاز» على جميـــع القطـــــريين قبـــــل أن يغني «يــــاس خضــــر» أغنيــــته الشــــهيرة، فوجئـــــنا بتصريحــــات العبــــادي غيـــر المســــؤولة، التي أطلقها في مؤتمره الصحفي، الذي خصص معظمه للحديث عن دخول «الأمــــــوال القطريـــة» إلى العـــــراق، وكأنه يريد تجـــــريد قضـــية الاختـــطاف من حقيقـــتها الكارثيــــة، ومن أبعادها المأساوية، وتحويلها إلى «قضية سيادية» بإدخال أموال إلى بلاده بطريقة غير مشروعة!
.. وحسنا فعل سعادة الشيخ محمد بن عبدالرحمن آل ثاني وزير الخارجية عندما سارع إلى وضع النقاط على حروف هذه القضية، مؤكدا «أننا أدخلنا تلك الأموال للعراق بشكل رسمي، لدعم سلطاتها في إطلاق سراح أبنائنا المخطوفين»، مشيرا إلى أن «السلطات العراقية طلبت من دولة قطر دعمها في عملية تحرير المختطفين».
.. ولم يكن العبــــادي ولا أقول «العيــــاري» يحتاج إلى الـــضرب على «الدُمبــك» لإحداث ضجة إعلامية، وهوجة سياسية، لا مبرر لها، حيث كان الأجدر به أن يقوم بترميم علاقات بلاده المتصدعة مع دول المنطقة، بدلا من زيادة تصدعها المؤدي إلى صراعها، وبالتالي صداعها!
.. وما من شك في أن تصريحات رئيس الحكومة العراقية حيدر العبادي لا تسر الصديق، ولا تعبد الطريق بين بغداد وأي عاصمة خليجــــية، لكنها تساهم في زيـــادة وعورتــــها، ولا أقول كشف عوراتها!
لقد أراد «حيدر» إظهار نفسه أمام الرأي العام العراقي في صورة البطل المغوار، الذي لا يشق له غبار، دون مراعاة حقوق الأخوة والجوار، وما دام يبحث عن البطولة حقا كان الأجدر به، في مؤتمره الصحفي، أن يكشف عن هوية الجهة الخاطفة، التي قامت بعملية الاختطاف على مرأى ومسمع من فريق «الحماية» المكلف بحماية ضيوف العراق!
.. ومــــــن الغـــــــريـــب، بــــل المعـــيــب، أن يقــــول العــــبــــادي إنه لم يكــــن مـــوافـــقــــــا عـــلى منح تأشيرات الدخول للقطريين الذين تم اختطافهم، فهذا الكلام يشكل إدانة له، لأنه إذا كان «مُعَنْفِصاً»، أي رافضا بكل إصرار إصدار التأشيرات لهواة ممارسة الصيد في بلاده، كان يمكنه بمقتضى منصبه السيادي، وموقعه السياسي، وفي إطار الصلاحيات الممنوحة له، بصفته رئيس السلطة التنفيذية، التوجيه الفوري بتنفيذ موقفه الرافض أو المعارض، إلا إذا كانت هناك جهات نافذة أقوى منه في الدولة العراقية، أرادت دخول القطريين، تمهيدا لاختطافهم، وبالتالي المساومة عليهم!
.. والعجيب حقا أن تقوم الجهة الخاطفة بتسليم المخطــــوفين إلى وزارة الداخلية العراقية، دون أي محــــاولة مــــن حكـــومـــــة العــــبــــادي القبــــــض علـــيهــــم !
.. ويمكن للمرء أن يرى عيانا بيانا تورطا عراقيا في قضية اختطاف القطريين، الذين حلوا ضيـــــوفا على بـــلد «حمـــــورابي»، صـــــــانـــع القــــانون، فوجدوا أنفــــسهم مخــطــــوفين، في عملية إرهابية خارج إطار القانون!
.. ومحزن حقا أن ينتهك القانون في العراق، الذي نبعت منه القوانين الإنسانية، لتصب منذ قرون في صالح ترسيخ الشرائع القانونية.
.. وليسمعها مني العبادي «هَسّهْ» بخصوص الأموال القطرية، لو كان الأمر ماديا مع الخاطفين لانتهت عملية الاختطاف في أيامها الأولى، ولدفعنا «الفدية» التي أشار إليها في وقتها، لأن حياة أي مواطن قطري أغلى من أموال الدنيا، لكن القضية كانت «ملتوية» بكل أبعادها الخفية، مثل التواء مئذنة «سامراء» التاريخية!
لقد أظهر العبادي، في مؤتمره الصحفي، الذي لم يكن ينقصه سوى توزيع «الشَرْبَتْ» على الحاضرين توجها - لفظيا - للإساءة إلى قطر، عبر إشاراته حول مزاعم «غسيل الأموال»، مما لا يشجع الدوحة وغيرها من عواصم المنطقة على توجيه رهاناتها نحوه.
.. وما من شك في أن خطابه التأزيمي وتوجهه التصعيدي، ضد قطر يعكس سعيَه لخلق الجفاء،وزيادة الأعباء، وتسميم الأجواء في المنطقة، التي لم تكن بحاجة إلى تصريحاته غير المسؤولة لتزيدها «سموما»، رغم محاولات دول مجلس التعاون الصادقة، وجهودها المخلصة، لفتح قنوات التواصل مع بغداد، والعمل على استقرار العراق، وضمان عودته إلى إقليمه الخليجي، وحضنه العربي.
.. ولا جدال في أن تصريحاته تفاقم عدم الثقة في إدارته، أكثر مما تزرع اطمئنانا وثقة في شخصيته.
.. وكان الأجـــــدر بالعــــبادي وحكـــــومتــــــه التوجـــــه لتحسين وتطويــــر علاقات العراق مع دول الجوار الخليجي العربي، وليس العمل على توتيرها.
.. ولعل ما يزيد الأزمة تأزماً أن «العبادي» دفع وزارة خارجيته التي لا تعرف شيئا عن قضايا الخارج، بدليل تصريحات وزيرها إبراهيم الجعفري، الذي أعلن أن السعودية تنوي إلغاء ديونها المستحقة على العـــراق، والمقــــــدّرة بنحو (30) مليار دولار تقريبا، مما دفـــع الريـــــــاض إلى نفي ما أعلنه الوزير العراقي جملة وتفصيلا، مؤكدة عدم صحة ما جاء على لسانه، مما يعكس إلى أي مدى بلغ انحدار نسبة المصداقية في حكومة العبادي.
.. وفي إطار هذه المصداقية المفقودة أَوعَزَ «حيدر» إلى وزارته، أمس، لإصدار بيان آخر يصب في ذلك المسار، جددت فيه الادعادات العراقية بأن الأموال القطرية دخلت بصورة غير مشروعة، مشيرة إلى أن «دخول القطريين كان ينطوي على مخاطر واضحة غير خافية على أحد»!
.. والسؤال الذي أطرحه ولا يخفى على أحد، ما دام الوضع الأمني خطيراً في العراق، فلماذا وافقت الوزارة المعنية منذ البداية على دخول أبنائنا الذين تم اختطافهم، وكان يمكنها رفض إصدار التأشيرات لهم، منذ اللحظة الأولى لتقديم طلبهم، باعتبار أن ذلك يشكل نوعاً من الإجراءات الوقائية، والقرارات الاحترازية؟!.
.. وما من شك في أن الضعف الذي أظهره العبادي، خلال تعامله مع أزمة «الأوادم المختطفين»، يعكس عدم إمساكه بالقرار في بلاده، كما يعكس عجز الحكومة العراقية على ضبط سلاح «الميليشيات المسلحة» التي تهدد العباد وتعيث فسادا في البلاد.
.. إن موقف العبادي المجافي للحقيقة في قضية المختطفين القطريين، غير المبالي بمعاناتهم ومأساتهم، يدفعنا إلى عدم الإسراف في التوقعات المتعلقة بتطوير العلاقات مع حكومته،
كما يدفع العراق للبقاء معزولا عن محيطه العربي، مثل «عزلة حيدر» الظاهرة في الصورة المنشورة أعلى الصفحة، حيث لا أحد يشاركه المشهد، غير تلك الكراسي الفارغة!.
.. وأستطيع القول - بكل ثقة - إن الشيء الوحيــــد الذي يجيده رئيــــس الوزراء العراقي، المعزول عن عمقه العربي في الوقت الراهن، هو أن «يلطلط» في الكلام، و«يزمط» ــ أي يبالغ ــ في إظهار قوته، وإطراء نفسه، في حين أن العراق يحــــتاج إلى رئيـــــس حكــومة قوي، وليس «بَيَّاع حَجِي» اسمه حيـــــدر العــبادي، كان مفروضــــا عليه القيام بنــــظرة موضــــوعية، وقراءة حقيقية، لأزمة المختطفين القطريين، من منظور أخوي، ومنطق إنساني، واتجاه قانوني، وليس من منطلق تأزيمي!
.. ولأن حرصنا على بناء علاقات قـــطرية - عراقية مثالية ليس خيارا انتقائيا لنا، بل هو اتجاه قومي لا يجب نسيانه، وهدف قطري لا يمكن تجاوزه، وقدر واقـــــعي لا يمكــن تجاهـــــله، سيبقى العــــراق العربي عزيزا على قلـــــوبنا، وسيــــبقى شعبه شقيقا لنا، مهما تباينت وجهات نظرنا تجاه «العياري».. عفواً أقصد العبادي وحكومته.

بقلم : أحمد علي

أحمد علي