كتاب وأراء

سؤال المليون : هل توجد «حقوق إنسان» في سوريا ؟

دمرت روسيا أكثر من عشر مستـشفيات في إدلب وأريافها في شهر أبريل فقط! وتستهدف طائراتها المتطورة تـقـنيا منـشآت ومرافق مدنية بحتة مثل مقرات الدفاع المدني والمنشآت الطبية وسيارات الإسعاف وغيرها! وبالمثل ينـفذ نـظام الأسد بطائراته البالية تـقـنيا غارات عنيفة على المدنيين العزل وعماراتهم وبـيوتهم ومزارعهم وطرقاتهم وأسواقهم ويدمرها تدميرا! هذا من السماء أما ما يدور على الأرض فهو أدهى وأمر!
كل عناوين الأخبار التي تمر على أعين السوريين لا تحمل إلا فظاعات متـزايدة مثل الحصار الظالم والقـتل العشوائي والتعذيب المبرمج والإعدامات الميدانية والتهجير القسري يضاف إلى ذلك الصمت الدولي المطبق والتجاهل السياسي المتعمد الذي لم يحدث له مثيل في تاريخ البشرية!
سؤال كبـير: هل توجد «حقوق إنسان» في سوريا؟ جميع المؤسسات الدولية الإغاثية والإنسانية والحقوقية تـتحرك في مخـتلف بقاع الأرض لكنها تـنسحب ببلادة متـناهية عند حدود المأساة السورية الدامية ومثلها المأساة العراقية الممتدة! في سوريا الوضع المأساوي يتم النـفخ فيه من قبل نـظام مستبد ودول أخرى متورطة مثل روسيا وإيران ضد شعب أعزل ومحاصر لم يجد رغيف الخبز فما بالك بالأسلحة المضادة لما في جعبة روسيا وحلفائها من ألآت قـتل رهيـبة ونـفسيات جريمة منظمة لا يمكن وصفها! فيما انحصر دور المؤسسات الدولية في الإحصاء ورفع التـقارير والتهديد والوعيد من بعيد لبعيد! تجاهل عجـيب لمأساة بشرية تـنقلها وكالات الأنباء بخجل وقد عجزت البشرية كلها عن إجابة سؤال المليون!
يا للعجب، لقد نكصت المؤسسات الدولية على عقبـيها وتجاهلت المأساة السورية بكل دمويتها وجرائمها الكبرى التي توثـق على مدار الساعة بالصوت والصورة.. المشكلة هي أن المجتمع الدولي ينـتـفض للحيوانات ولا يحرك ساكنا للبشر! والمشكلة الأخرى أن المجتمع الدولي يهب لمعالجة مآسي الأقلية (مهما كانت) لكنه يشيح بوجهه عن العنف الذي يضرب الأغلبـية في سوريا بعنف! بل إن ضمير المجتمع الدولي لا يـبدو وكأنه يشعر إلا بعد استـخدام الكيماوي أو القـتل بالغاز السام حيث ترتـفع نبرة التهديد والوعيد درجة ويأتي رد الفعل (مجرد كلام)! لكن حتى الكلام يتوقف عن مناقـشة سلسلة القـتل المفـتوحة وشبح الموت المتساقط على رؤوس السوريين العزل! الناس تموت تحت ركام البـيوت وفي غرف المستـشفيات وفي أقبـية السجون وبالقـتل العشوائي بالغازات وبدون الغازات لكن المجتمع الدولي بارد مثل قوالب الثلج في غرف الأموات! تعددت الأسباب والصمت واحد!
قال المدير العام لمنظمة حظر الأسلحة الكيميائية أن المنظمة تحقق في تـقارير حول استـخدام الأسلحة الكيميائية 45 مرة في سوريا منذ العام الماضي! ولعل الأشهر في كل هذه الأحداث هو هجوم خان شيخون الذي أوقع 88 قتيلا، بينهم 31 طفلا وتسبب في الضربة الأميركية المنسقة على مطار الشعيرات ومن بعدها ساد صمت طويل. وتابع قائلا «كل هذه الادعاءات موثـقة من قبل خبرائنا، الذين يتابعون هذه الأمور يوميا من مركز عملياتـنا»! ثم طرح سؤال المليون: «لم تجد كل هذه التجاوزات صوتا دوليا صادقا ينـتـقدها أو يقاومها وكأنه (لا يوجد) مجتمع دولي أو حقوق إنسان في سوريا»؟!
هذا السؤال المؤرق طُرح كثيرا على طول سرمديات الفظاعات الممنهجة في الأزمة السورية! طُرح عندما قُصفت قافلة المساعدات الدولية التي كانت تسير بأشراف الأمم المتحدة شرق مدينة حلب أواخر عام 2016! وهي القضية الشهيرة التي رٌفع ملفها لمحكمة الجنايات الدولية ولم يعد! طٌرح هذا السؤال عندما دُمرت مستـشفيات «أطباء بلا حدود» (جمعية أممية معتمدة) في حلب وإدلب بقصف جوي متعمد من روسيا لكن القضية سجلت ضد مجهول! ويطُرح سؤال المليون كذلك كلما قربت الأمم المتحدة نـفسها الباصات الخضراء لكي تـشارك عامدة متعمدة في التهجير القسري والتـغيير الديموغرافي المدروس، وعلى عينك يا تاجر!
الخلاصة، أن هناك عملية جهنمية مستمرة لـ «تركيع» الشعب السوري الثائر الذي خرج يطالب بالحرية والديمقراطية وحقوق الإنسان لكنه غفل عن كونها مجرد شعارات لا تسمن ولا تـغـني من جوع! شعب محاصر تمنع عنه الأسلحة ولا توجد لديه مقاومة أرضية أو جوية للطيران (من كل جنسية) الذي يقصفه ويدمر مقدراتهّ! في حين تُجـبر الفصائل التي تُدك ليل نهار على المشاركة في محادثات الاستانة تحت رعاية القاتل (زاتو كما يقول الإخوان السودانيون)! في كل الحروب الأهلية والنوازل الدولية التي أصابت الدول أو المجتمعات عبر التاريخ، كان هناك دوما «مخرج إنساني» للأطراف غير المتورطة في النـزاع لكن في سوريا لا يوجد للشعب السوري مخرج ولا يوجد في الجوار «مجتمع دولي» وحتما لا توجد «حقوق إنسان»!
بقلم: د.صنهات بن بدر العتيبي

د. صنهات العتيبي