كتاب وأراء

سقوط بيت المقدس .. درس من الماضي

في مثل هذا الشهر احتل الصليبيون بيت المقدس سنة 492 للهجرة (1099م) ودخلوه عنوة، مرتكبين مجازر شنيعة، ويورد ابن الأثير في كتابه «الكامل في التاريخ» الخبر بالصيغة التالية: «.. وملكوها من جهة الشمال منه ضحوة نهار يوم الجمعة لسبع بقين من شعبان، وركب الناس السيف، ولبث الفرنج في البلدة أسبوعاً يقتلون فيه المسلمين، وقتل الفرنج بالمسجد الأقصى ما يزيد على سبعين ألفاً، منهم جماعة كبيرة من أئمة المسلمين وعلمائهم وعبادّهم وزهّادهم ممن فارق الأوطان وجاور بذلك الموضع الشريف». وتورد المصادر الغربية، كما دوّنها مؤرخو الحملة الصليبية الأولى ،تفاصيل مرعبة عما جرى في المدينة بعد دخول الغزاة إليها؛ حيث يقدم وليم الصوري شهادة حول حصيلة ما جرى، مؤكداً أنه «كان من المستحيل أن يطالع المرء كثرة القتلى دون أن يستولي عليه الفزع، فقد كانت الأشلاء البشرية في كل ناحية، وغطت الأرض دماء المذبوحين، ولم تكن مطالعة الجثث– وقد فارقتها رؤوسها- ورؤية الأعضاء المبتورة المبعثرة في جميع الأرجاء هي وحدها التي أثارت الرعب في نفوس جميع من شاهدوها، بل كان هناك ما هو أبعث على الفزع ألا وهو منظر المنتصرين أنفسهم وقد تخضبوا بالدماء فغطتهم من رؤوسهم إلى أخمص أقدامهم، فكان منظراً مروّعاً بثّ الرعب في قلوب كل من قابلوهم، ويُقال إنه قُتل في داخل ساحة المسجد وحدها عشرة آلاف من المارقين، بالإضافة إلى أن القتلى الذين تناثرت جثثهم في كل شوارع المدينة وميادينها لم يكونوا أقل عددا ممن ذكرناهم، وانطلق بقية العسكر يجوسون بحثاً عمن لايزال حياً من التعساء الذين قد يكونون مختفين في الأزقة والدروب الجانبية فراراً من الموت، فكانوا إذا عثروا عليهم سحبوهم على مشهد من الناس وذبحوهم ذبح الشياه».
لقد تم قتل كل سكان المدينة تقريباً، بمن فيهم اليهود الذين أُحرقوا في الكنيس الذي يخصهم ولم ينج إلا قائد الحامية الفاطمية «افتخار الدولة» وبعض رجاله، وهو أمر يثير الريبة حول طبيعة التواطؤ الفاطمي الصليبي.. وفي ذلك الجو الكئيب المشحون بالأسى اجتمع الصليبيون في كنيسة القيامة لأداء صلاة الشكر.. وتوزيع الغنائم، لقد كانت مجزرة باسم الرب شعارها حماية قبر يسوع المسيح رمز الفداء والتسامح بحسب الأدبيات المسيحية. ويبرّر المؤرخون الصليبيون المصاحبون للحملة كل هذه المجازر بلغة تجمع بين الفخر (؟) والشماتة؛ فيقول ريمون دي جيل: «وفي يقيني أن في هذا عدالة ربانية تتمثل في أن يتلقى معبد سليمان دم المسلمين الذين شتموا الرب هناك لسنين طويلة»، وليضيف بكل ابتهاج: «لقد كان يوماً جديراً بالتقدير، وسعادة ما فوقها سعادة، وسروراً سرمدياً.. إن هذا اليوم قد أزال جميع أشكال الوثنية وثبّت المسيحية وأعاد إلينا إيماننا».
ويمكن القول بصورة عامة إن المنطق الاستعماري الذي تحركت من خلاله الحملات الصليبية مقترفة أشنع الجرائم ضد الإنسانية ظل هو ذاته الذي يحكم السياسة الغربية في نزوعاتها نحو الغزو والتوسع، تستوي في ذلك إسبانيا الكاثوليكية وفرنسا الثورية وإيطاليا الفاشية وروسيا الشيوعية، وإن التبرير من خلال منطق الحرب المقدّسة سيصبح لاحقاً رسالة تنويرية يحمل عبئها الرجل الأبيض لنشرها بلغة الحديد والنار وقطع الرؤوس في أرجاء العالم سواء في أفريقيا أو ضد سكان أميركا الأصليين أو في آسيا.
إنها وحشية أوروبا وبربريتها التي تحدث عنها إدغار موران؛ حيث عبّرت أوروبا عن «إصابتها بكل أشكال البربرية الخاصة بالمجتمعات التاريخية، فقامت بهذا الأمر، إضافة إلى ذلك، بالكيفية الأكثر دواماً، والأكثر كثافة، والأكثر تجديداً أيضاً بدون شك».. فما أشبه اليوم بالبارحة.

بقلم : سمير حمدي

سمير حمدي