كتاب وأراء

تحتضن اليوم قمة الدول الإسلامية والإدارة الأميركية

السعودية «بيت الإسلام».. و«رياضها» حاضنة السلام

السعودية «بيت الإسلام».. و«رياضها» حاضنة السلام

تتجه أنظار العالم اليوم إلى العاصمة السعودية، لمتابعة القمة الاستثنائية، الفريدة من نوعها سياسياً وإنسانياً ودولياً، التي تحتضنها الرياض، وتجمع تحت سقفها، المرتكز على الصراحة، والمستند إلى الــشفافية قــادة وزعماء أكثر من 45 دولة إسلامية، مع القيادة الأميركية، ممثلــــة في رئيســها «دونالـد ترامب»، بمشــــاركة حضـــرة صـــاحب السمو الشيخ تميم بن حمد آل ثاني، أمير البلاد المفدى.
.. ويرى كثيرون - وكاتب هذه السطور أحدهم - أن هذه القمة ليست كغيرها من القمم، لكونها تؤرخ لما قبلها، وتؤسس لما بعدها، ولأهمية القضايا الموضوعة، والملفات المطروحة على طاولتها، باعتبارها ستحدد شكل العلاقات المستقبلية بين العديد من الدول الإسلامية من جهة، والولايـــــات المتحـــدة الأميركيــة من الجــــهة الأخرى، كـــــما ستوضح نوعــــية التحالف الاستراتيجي بين أطرافها المشاركين فيها.
.. ولا جدال في أن اختيار الرئيس الأميركي «دونالد ترامب» للمملكة العربية السعودية الشقيقة ليوجه من خلالها خطاباً إلى العالم الإسلامي لم يكن صدفة، ولم يكن اختيارها عشوائياً بالقرعة، ولكنه يعلم جيداً أنها «بيت الإسلام»، وأن عاصمتها «حاضنة للسلام».
.. وعلى هذا الأساس تسعى القمة المرتقبة إلى خلق جو من الوئام، وإنهاء حالة غير مسبوقة من حالات الخصام، ولا أقول الخصومة مع الإدارة الأميركية الحالية، التي اتخذت مواقف سلبية ضد المسلمين، خلال حملتها الانتخابية، مما يستدعي إصلاح العلاقات المتصدعة بين الجانبين، وتدشين صفحة جديدة بين الطرفين، تستند إلى الاحترام المتبادل، والمصلحة المشتركة، وترسيخ حقيقة أن الولايات المتحدة لا تخوض صراعاً أو صداماً مع المسلمين، وأن الإسلام لا يعادي الحضارة الأميركية.
.. وأنه توجــــد بين الجانبــين سلسلة مترابطة من القيم المتطابقة، وليست مجرد سلة مشتركة تحتوي على العديد من المبادئ الإنسانية، التي تدعو إلى تحقيق العدالة وترسيخ الكرامة والحض على التسامح واحترام الآخر.
.. وما من شك في أن الرئيس الأميركي «دونالد ترامب» سيستمع خلال وجوده في ضيافة المملكة العربية السعــودية، وشــعبها الشقيق، إلى صوت الأذان، الذي ينساب إلى داخل الآذان، فيثير ارتياحاً في الوجدان.
.. ومثلما يعلم «سيد البيت الأبيض» في وجدانه أن «الإنجيل» يبارك صناع السلام، فإنه حتماً سيعلم خلال زيارته إلى «بلد السلام» بأن «القرآن الكريم» يدعو للسلام، ويحث على السلام، ويحض الإنسان على تعزيز قيم السلام.
.. ولا يحتـــاج الأمـــر إلى تذكـــــير الرئيـــس الأميركي أن المسلمين في بلاده ساهموا في نهضة الولايات المتحدة، وأنهم شاركوا في ثرائها وعملوا على إثرائها، وقدموا الكثير من الخدمات الجليلة لها، وحققوا العديد من الإنجازات العظيمة في مسيرتها، مما ساهم في رفعة شأنها بين الأمم.
أذكــــــر أحدهـــم على ســـــبيل المثال لا الحــــصر، وهــــو الملاكــــــم العالمي الراحل محمد علي كلاي - رحمه الله - صاحب المواقف التي تعكس سماحة الإسلام، وغيره كثيرون من الأميركان المسلمين الذين ساهموا بإنجازاتهم في صناعة وصياغة جزء لا يتجزأ من «قصة أميركا» الناجحة، ولهم إسهاماتهم في حضارتها، وإنجازاتهم في حضورها على الساحة الدولية.
.. وفي إطار ذلك الحضور الأميركي، تنعقد اليوم القمة المرتقبة في الرياض، لتعكس سعي السعودية الشقيقة الدائم لجمع كلمة المسلمين تحت مظلتها، لمواجهة التحديات التي تستهدف الأمتين العربية والإسلامية.
كما تجســـد القـــمـــــة، بل تجــــدد التــــأكيد، على مكانـــــة المملكـــــة في عالمنا الإسلامي، باعتبارها «بيت الإسلام»، وباعتبار «رياضها» حاضنة السلام، وحاضرة الوئام على الدوام.
.. وتحسب القمة في رصيــــد إنجــــازات خـــادم الحـــرمين الشريفـــين الملك سلمان بن عبدالعزيز آل سعود، وتأتي لتشكل إضافة في رصيد الدبلوماســـــية السـعودية، الفاعـــــلة في عمقـــها العربي، المتفاعلة مع محيطها الإســــلامي، من خلال انعقــــــادها بشكلها الجـــــامع، والتئامها بطيفها الواسع، بحضور الرئيس الأميركي «دونالد ترامب»، الذي يشارك لأول مرة في حدث خارجي دولي متعدد الجنسيات، متجدد الاهتـمـامات، منذ استلامه مسؤولياته الرئاسية في «البيت الأبيض»، خلال شهر يناير الماضي.
.. وسيؤكد «الرئيس ترامب» خلال مشاركته في القمة على الأولوية التي توليها إدارته لهدف «مكافحة الإرهاب»، باعتبار أن هذا الملف من أولويات سياساته المتبعة، بل المعتمدة في الشرق الأوســـط، حيث تحتل محاربة «داعش»، وغيرها مــــن التنظيمــــات المتــــطرفة صدارة الاهتمامات في السياسة الأميركية الحالية.
.. ولأن مكافحة «الإرهاب» تتطلب أعلى درجات التنسيق والتعـــاون وتــــبادل المعلومات بين أعضاء المجتمع الــــدولي، من المنتـــظر أن تطرح القمة «استراتيجية مشتركة» لمحاربة هذه الظاهرة المتضخمة، التي تجاوزت حدود الدول، بعدما تغلغلت في علاقاتها، وتوغلت في مصالحها، وصارت تستهدف الثقافات الإنسانية، والإنجازات الحضارية، ولم تعد محاربتها شأناً محلياً ينحصر في حدود دولة بمفردها، وإنما تعدت ذلك، لتصبح معضلة كونية، تستدعي جهوداً دولية لمكافحتها.
.. وما من شك في أن خطر «الإرهاب» والإرهابيين لايزال قائماً وممتداً ومتواصلاً في العديد من الدول، مما يتطلب ضرورة مواجهته بشتى الوسائل المتاحة على كافة المستويات، باعتباره يهدد الجميع دون تمييز، مما يتطلب إعداد الخطط التي تقوض مخططاته.
.. وتعد السعودية الشقيقة من أوائل الدول تصدياً لهذه الظاهرة على مختلف الصعد، قولاً وفعلاً، وأكدت المملكة هذا التوجه في العديد من المناسبات، برفضها الشديد للإرهاب، وإدانتها لكافة أشكاله وصوره، وشجبها للأعمال الإرهابية، التي تتنافى مع مبادئ وسماحة وأحكام الدين الإسلامي، الذي يحرّم قتل الأبرياء، وينبذ كل أشكال العنف، ويدعو إلى حماية وصيانة النفس البشرية.
.. وعلى هذا الأساس ستوفر القمة المرتقبة الفرصة للمملكة العربية السعودية لتضع تجربتها الناجحـــــة في مجال «مكافحـــة الإرهــاب» أمام أنظار المشاركين، باعتبارها من أوائل الدول التي تصدت لهذه الظاهرة، وحاربتها محلياً، وأدانتها دولياً.
.. وليس جديدا القول إن «المملكة» أثبتت للعالم جديتها المطلقة لمواجهة العمليات الإرهابية، من خلال تشكيلها «التحالف الإسلامي لمحاربة الإرهاب» الذي يضم 34 دولة في مقدمتها دولتنا قطر، ويعد من أكبر المبادرات الإسلامية التي أطلقها العاهل السعودي للتصدي لهذه الآفة.
.. ولا يقتــــصر الأمـــــر على ذلك، ولكن عنــــدما حاول بعضــــهم إلــــصاق تهـــــمــــة «الإرهاب» بالمسلمين، كانت السعودية في صدارة الدول المدافعة عن الإسلام وسماحته وتسامحه.
.. ومثلما وقفت «المملكة» موقفاً حازماً وصارماً ضد «الظاهرة الإرهابية»، فقد أكدت شقيقتها قطر مراراً وتكراراً إدانتها وشجبها لكافة أشكال الإرهاب، ودعت إلى محاربته، والعمل على القضاء عليه، واستئصاله من جذوره، بشكــــــل يصــون حـــيــاة الأبرياء، ويحــــــفظ للـــــدول سيادتها وأمنها واستقرارها.
.. وهذا مــــــا يعكـــــسه البيــــــان الذي أصدره أمـــس ســعادة الشـــيخ سيف بن أحمد بــــــن سيـــــف آل ثاني، مديــــر مكتــــب الاتصـــــــال الحـــكـــــومي، وفـــــند خــــلالــــــه المزاعــــم والافتــراءات والأراجيـــــف التي تروجـــــها بعض المنظــــمات المناهضة للسياسات والمواقف التي تنتهجها دولتنا، بهدف الإضرار بسمعتها الدولية، والتشكيك فيها والتشويش عليها.
.. ولأن الإرهاب يمثل تهديداً مستمراً للأمن والسلام فهو مدان على الدوام، مهما كانت مبرراته، وأسبابه، ودوافعه المزعومة، حيث لا يمكن القبـــول بأي فعل من أفعاله، خاصة أن دولتنا قطر مستهدفة كغيرها من دول المنطقة، من قبل الجماعات الإرهابية التي تستهدف أمن العالم بأسره.
.. وأستطيع التأكيد بأن القمة المرتقبة ستؤكد على أن الإرهاب ليس له دين معين، أو جنس محدد، أو جنسية، أو منطقة جغرافية، ولا يجوز ربطه بأي ديانة، مما سيساهم في تعزيز التعاون الدولي في محاربته، ولا تقتصر مكافحته على التنديد أو الوعيد، ولكنها ترتكز على إقرار العديد من الإجراءات، واتخاذ الكثير من التدابير لمواجهة هذه الآفة الخبيثة، واجتثاث هذه الظاهرة الخسيسة.
.. وبعيـــــداً عــــن ملف «الإرهــــــاب» ستــــناقش القــمـــة الأخــــــرى التي سيعقــــدها قادة دول مجلس التعاون الخليجي مع الرئيس الأميركي «دونالد ترامب» آلية التعامل مع الصراعات الأكثر إلحاحاً في الإقليم الخليجي، ومحيطه العربي.
.. وتشكل تلك القمة التشاورية نقطة تحول بين مرحلتين في السياسة الأميركية حيال قضايا المنطقة، وفي خريطة التحولات، ولا أقول التحالفات فيها.
.. ويعلم «الرئيس ترامب» أكثر من غيره أن إدارة سلفه طيب الذكر «أوباما» ارتكبت العديد من الأخطاء الفادحة، في عدد من الملفات الإقليمـية، لعل من أهمها سياساته المترددة تجاه «الملف السوري»، حيث كان موقفه يشبه موقف رجل متردد في إطفاء حريق يلتهم حديقة تمتلئ بالحضور الأبرياء، رغم معرفته بالطرف الفاعل، مما أدى إلى تراجع دور «واشنطن»، مقابل تنامي الدور الروسي على الساحة السورية!
.. وبالمحصلة قد تسبب التردد الأميركي في حالة غير مسبوقة من عدم الاستقرار في المنطقة برمتها، أفضت إلى خلق الكثير من الشكوك والأشواك في مسار الإدارة الأميركية، ليس عند المواطن العربي فحسب، بل عند صُناع القرار الخليجي!
.. وفي سياق الغفلة بل «الغفوة الأميركية» شهد اليمن انتكاسات انقلابية لا يمكن تجاهل انعكاساتها السلبية على دول المنطقة، كما شهد العراق صِدامات طائفية لا تقل خطورة عنها.
.. وفي كلتا الحالتين كان للأصابع الإيرانية دور تحريضي لتأجيج الصراعات في كلا البلدين، من خلال دعم حلفائها، وتشجيع الموالين لها، لإشاعة الفوضى في المنطقة.
.. ومع تصاعد خطورة التمدد الإيراني في الإقليم، تملك دول مجلس التعاون أفكاراً متشابكة، ورؤى متشابهة مع الإدارة الأميركية الحالية، بخصوص ذلك الخطر المتنامي، ترتقي إلى درجة التطابق في المواقف.
.. ومن المنتظر أن تبحث القمة الخليجية مع الرئيس الأميركي «دونالد ترامب» كيفية توسيع التعاون الاستراتيجي بين واشـــنطن ودول «مجلس التعاون»، لتعزيز قدراتها الدفاعية، من أجل التصدي للأنشطة الإيرانية، المزعزعة للاستقرار في المنطقة، فضلاً عن تعميق الحوار الذي لا ينتهي حول الأدوار المشبوهة التي تقوم بها إيران في الإقليم، من خلال تدخلها في الشؤون الداخلية للعديد من الدول العربية، ودعمها للاضطرابات الطائفية في البحرين واليمن والعراق وسوريا.
.. وفي سياق ذلك الحـــــوار المتــصل، سيسعى الرئيــس الأميـــركي خلال قمته المرتقبـــة مع قادة «مجلس التعــــاون» إلى التأكيد بأن بلاده تعتبر الإقليم الخليجي، ومحيطه العربي، جزءاً مهماً من بنيانها «الجيوستراتيجي»، وإثبات أن «واشنطن» تشكل الضمان الحقيقي لأمن دول المنطقة واستقرارها، طالما واجهت تهديداً خارجياً محتملاً.
.. وفي إطار تلك المعادلة «الجيوستراتيجية» الأميركية التي يسعى «ترامب» لإقرارها، وإعادة تشكيلها، وتثبيتها في المنطقة، ينبغي على دول «مجلس التعاون» ترسيــخ شـــراكتــــهـــم مـــع الولايات المتحدة، في الملفات الأمنية والعسكرية والاقتصادية والتجارية بصورة مُقْنِعة للرأي الخليجي، وليست مُقَنَّعة.
بمعنى أنه لا ينبغي أن ترتدي علاقاتهم مع واشنطن قناعاً، كذلك القناع الذي كان يرتديه الممثل الأميركي جيم كاري «JIM CARREY»، في فيلم «الماسك» (THE MASK)، ويحكي قصة رجل غير واثق من نفسه، خائف من المجهول، ثم يصادف قناعاً سحرياً يغيّر حياته، فيجعله إنساناً يمتلك شخصية فارقة، وقدرات خارقة، من خلال الرؤى التخيلية و«الفنتازيا» الكوميدية!

بقلم : أحمد علي

أحمد علي