كتاب وأراء

حول جذور الفساد في تونس

ربما كانت المشكلة الأعقد في مكافحة الفساد في تونس هي تحوله إلى جزء من المشهد وتطبعه مع الأوضاع إلى درجة أنه أصبح جزءا من اليوم المعيش حيث لم يعد من قبيل ما ينبغي استنكاره أو رفضه بل قد يعتبره البعض شكلا من أشكال الشطارة والذكاء، وفي ذات السياق كان لهذا النمط من التصورات امتداداته على طبيعة المخيال الشعبي لشخصية رجل السياسة فهو من ناحية يرتاب فيه الناس بوصفه كاذبا محتالا فاسدا وفي ذات الوقت يميل المزاج العام إلى الاعتقاد أن شخصية لا تتوافر فيها مثل هذه الملامح لا تصلح لأن تدير الشأن العام. وقد لعب الإعلام التونسي دورا خطيرا للترويج لمثل هذا الخلل في التفكير حيث تم التركيز على منطق أن السياسي ليس بالضرورة شخصا نظيف اليد منضبطا للثوابت العامة للقانون بقدر ما ينبغي أن يكون خبيثا قادرا على التلاعب بالجميع وتحقيق المصلحة وقد زاد التركيز على مثل هذا الخطاب بعد الثورة ضمن سياق شامل لصناعة رأي عام يشعر بالحنين لزمن المخلوع ولأسرته المتورطة في الفساد تمهيدا للمصالحة مع هؤلاء الفاسدين وهو ما حصل فعلا حيث سرعان ما خفتت تدريجيا لهجة المطالبة بالمحاسبة لتحل محلها لغة المصالحة ومجاوزة أحقاد الماضي.
وقد يبدو هذا الخطاب سليما في ظاهره ما في ذلك ريب فلا تنجح الشعوب إلا من خلال منطق المصالحة وليس بلغة الأحقاد والتصفيات ولكن يظل هذا الأمر تابعا لمنطق الممارسة السياسية أعني أنه ليس من المطلوب سياسيا التشفي من أحد أو الانتقام بصورة غرائزية دون أن يعني هذا إلغاء محاسبة الذين اقترفوا خطايا في حق المجتمع وهذا مجال القضاء، فليس من الحكمة في شيء العفو عن لصوص المال العام أو الذين استولوا على مليارات الدينارات وامتلأت بطونهم ليجدوا أنفسهم في النهاية يتمتعون بأموالهم دون حساب أو عقاب وهو أمر سيغري أمثالهم للاتجاه نحو ذات الفعل فمن أمِن العقوبة بالتأكيد فلن ينصاع للقانون ولن يلتزم بالمبادئ العامة التي تنظم المجتمع.
لقد جاء قانون المصالحة الوطنية الشاملة ليتحول إلى فرصة للنجاة بالنسبة للكثير من الفاسدين ممن ثبت تورطهم في السطو على المال العام، والمشكلة أنه في تونس اليوم أصبحت قضية الفساد أعقد من أن تكون مجرد مجموعة من رجال الأعمال ممن ينبغي عليهم تسوية أوضاعهم ومخالفاتهم القانونية والضريبية مع الدولة وإنما في ذاك الفساد الذي استشرى في أركان الطبقة السياسية فحتى أولئك الذين كانوا من أكثر الناس ثورية وحماسة وجدوا أنفسهم في أحضان قوى مالية كبرى فرأس المال في تونس تحول إلى حاكم فعلي في ظل ضعف الدولة وغياب نظام سياسي يحفظ للدولة قوتها التعديلية وقدرتها على ضرب الاحتكارات وفرض التوازنات خدمة للصالح العام. فبالتوازي مع النفوذ القوي لاتحاد العمال وهو بالمناسبة نفوذ مصدره النقابات الكبرى التي تتشكل من موظفي القطاع العام وهو ما يفسر ضعفه في أي مفاوضات مع اتحاد الأعراف نجد أن هذا الأخير يتمتع بحضور قوي في مجلس نواب الشعب وفي الأحزاب الكبرى والمؤثرة وبكل تأكيد في الحكومات المختلفة وبالتالي في اتخاذ القرارات المهمة. إن مكافحة الفساد في تونس أعمق من أن تكون مجرد صراع مع عدد من رجال الأعمال المتورطين في التهرب الضريبي أو الاستيلاء على قروض بنكية دون ضمانات وإنما الأزمة تمتد داخل الإدارة التونسية ذاتها حيث أصبحت قضايا الرشوة والوساطة والمحسوبية جزءا من الخبز اليومي للمواطن بل إن المنظمات المدنية والأحزاب السياسية ذاتها لا تخلو من شبهات سوء تصرف فلا أحد يعرف ميزانياتها ولا مواردها ولا أوجه صرف هذه الميزانيات ففي غياب تام للشفافية والوضوح لدى هذه الهيئات التي تعمل على توعية المواطن أو هكذا يفترض منها يصبح من الصعب التقليص من حالات الفساد أو على الأقل التحكم في منسوبها. حالة من الفساد قد لا تكون الأكبر في المنطقة العربية ولكنها خطيرة إلى الحد الذي يجعل منها أحد أكبر العوائق أمام بناء ديمقراطية سليمة وقادرة على الاستمرار.

بقلم : سمير حمدي

سمير حمدي