كتاب وأراء

زيارة ترامب للرياض.. عقود وصفقات.. ثم ماذا بعد!؟

شدت زيارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب للرياض انـتباه القادة والسياسيين ووسائل الإعلام وعامة الناس وحازت على تـغطية إعلامية هي الأضخم وشهدت فعاليات هي الأكثر كلفة ووقع اثـناء الزيارة اتـفاقات وعقود هي الأكبر على مر تاريخ العلاقات السعودية الأميركية! وجاء قبل الزيارة وبعدها الكثير من المقالات والتحليلات السياسية تُـنظر وتـنقد وتـشرح وتبالغ في التوقعات وتـخفض فيها، لكن يظل السؤال: ماذا بعد؟ هي زيارة غير عادية طبعا لكن إذا لم ينـتج عنها نـتائج على الأرض وتـغيرات في الواقع السياسي والاقـتصادي في المنطقة فقد تكون مجرد زيارة مكلفة صاحبها صخب إعلامي فقط!؟
سيكتب التاريخ أن زيارة ترامب للرياض هي أهم زيارة خارجية لرئيس أميركي في عصر النـفط لعدد من النـقاط المعتبرة منها أن هذه الزيارة هي أول زيارة قصيرة (يومين فقط) يٌعقد فيها ثلاث قمم هامة جدا ما يوحي بتحول سياسي معتبر! وكذلك هي أول زيارة يتم خلالها التوقيع على اتـفاقات وعقود وشراكات بهذه الضخامة، وقد صحب الرئيس الأميركي في زيارته عشرات من أهم المدراء التـنفيذيين ورجال الأعمال وممثلي أكبر الشركات الأميركية ما يوحي بأن الزيارة تحمل معها تحولا اقـتصاديا مهما للغاية! ومما يعطي الزيارة أهمية تاريخية كبيرة أيضا انها تستـشرف تحولا مؤثرا في التوجهات الأميركية نحو المنطقة بعد سنوات من التململ والتدخلات المضادة لمصالح الدول العربية.
في الجانب السياسي شهدت الزيارة ثلاث قمم على درجة عالية من الأهمية من حيث التوقيت وظروف منطقة الشرق الأوسط الملتهبة. أولا عٌقدت القمة السعودية الأميركية ومن بعدها القمة الخليجية الأميركية ثم قمة موسعة أميركية عربية إسلامية بحضور قادة كبار من أربعين دولة وأكثر. حراك سياسي لا نـظير له يأتي في وقت بلغ فيه التمدد الإيراني حدا لا شبـيه له إلا في العصر الصفوي! حيث سيطرت الأجندة الإيرانية على أربع عواصم عربية وظلت تدغدغ عواصم أخرى لا يفقه القائمون عليها واقع الإيديولوجية الثورية التي يزرعها النـظام الإيراني في كل مكان! يقال إن الاتـفاق النووي الإيراني كان بمثابة النافذة التي فٌـتحت لكي تمد إيران أصابعها بهدوء في ظل دهشة خليجية وعربية وإسلامية، لكن هل يستمر الوضع كما كان بعد زيارة ترامب للرياض وبعد هذا الحراك السياسي المشهود؟
في الجانب الاقتصادي تكاد تكون هذه الزيارة عنوان تكامل اقتصادي أميركي سعودي يتجاوز كل العلاقات الاقتصادية الوثيقة المستمرة منذ الزيارة الشهيرة للرئيس الأميركي روزفلت. الأرقام التي تم تداولها والعقود التي تم توقيعها والشراكات التي أعلن عنها كلها ضخمة بضخامة علاقة اقتصادية فريدة بين الدولتين، لكن المهم ان تكون الفائدة مشـتركة والنوايا طيـبة. لماذا هذا الاستدراك في الجملة الأخيرة؟ تعتبر المملكة شريكا استراتيجيا مهما لأميركا منذ عشرات السنين لكن ذلك لم يمنع بعض الإدارات الأميركية من تـبني «مواقف سياسية» تعكر صفو العلاقة أو تؤثر على الأمن القومي للمملكة خاصة إدارة بوش الأبن وإدارة أوباما! فما الذي يمنع إدارة ترامب من فعل الشيء نـفسه يوما ما!؟
إنها مشكلة حقيقية عندما يعتـقد بعض المحللين السياسيين أن الرئيس الأميركي يملك كافة أوراق اللعبة! ويتـناسون الدور المهم لبقية الإدارات والمؤسسات الأميركية وكذلك الدور المؤثر الذي يقوم به المؤسسات الإعلامية ومراكز البحوث ومؤسسات المجتمع المدني في النـظام الديمقراطي الأميركي. على سبـيل المثال، تـزامن مع زيارة ترامب للرياض انـتـشار خبر قوي في وكالات الأنباء عن إجراءات عزل الرئيس الأميركي (هذه ليست مزحة) بسبب ما يسمى فضيحة الروس جيت! ويـبدو أن هذا يأتي كنوع من الضغط قد ينـتج عنه تحجيم قدرات الرئيس أو إجـباره على تـغيـير بعض توجهاته وقراراته، وهذا الأمر ليس مستـغربا فالرئيس الأميركي ترامب نـفسه غير مواقفه المتـشـنجة ضد الغير في الانـتخابات والفـترة الأولى من رئاسته وظهر بمواقف مخـتلفة 180 درجة فما الذي يمنع أن يكرر هذا التـغيـير الفجائي مرة أخرى!
المشكلة الأخرى في العقلية العربية إنها تعطى أهمية كبـيرة ل «الرئيس» في بلد ما وتـتجاهل ما يكتب بحبر غير قابل للإزالة في الاستراتيجيات السياسية والاقتصادية والإعلامية لهذا البلد. النـظام الديمقراطي القائم على حكم المؤسسات يتصرف على هوى المؤسسة وليس بمزاج الرئيس الشخص وهذا ما يحدث في إيران مثلا وقد جاءت انـتـخاباتها الأخيرة بالشيخ المعتدل حسن روحاني في سبـيل مواجهة مرحلة جديدة من الصراع الإقليمي بنوع من المرونة والاعتدال الظاهري مع بقاء الأحلام الثورية ثابتة في عقل وتصرفات المؤسسة الحاكمة في طهران!
بقلم: د. صنهات بن بدر العتيبي

د. صنهات العتيبي