كتاب وأراء

«الذئاب المنفردة» ظهرت على شاشات الفضائيات تنبش وتنهش في سياسة قطر بطريقة مسعورة

اختراق موقع «القطرية» .. لن ينتصر الإرهاب

اختراق موقع «القطرية» .. لن ينتصر الإرهاب

.. لم يعد الإرهاب مقتصراً على قيام الإرهابيين بأعمال انتحارية، أو أفعال إجرامية من خلال ارتداء الأحزمة المتفجرة ونسفها، أو زراعة العبوات النارية وسط الحشود وتفجيرها.
ولكن تطورت أعمال الجماعات الإرهابية، لتبتكر أفعالاً شيطانية، من خلال استغلال تكنولوجيا الوسائط الالكترونية، ومن بينها اختراق موقع وكالة الأنباء القطرية، وبث تصريحات غير صحيحة، مدسوسة ومنسوبة لقائد مسيرتنا الوطنية.
.. وما من شــــك في أن اختــــراق الموقع الرسمي للوكالة جاء متسماً بما تتسم به العمليــــات الإرهابيـــة، عبر استهدافهــا العــــشوائي للأبريــــاء دون تمييــــز، حـــيث تــــم استهداف الحقيقة التي تعنيهم بشكل متعمد، والإضرار بمصالح الباحثين عنها بشكل متعدد، بهدف التشكيك في مواقف قطر الواضحة التي لا تحتاج إلى توضيح.
.. ولم تترك «الذئاب المنفردة» في العديد من القنوات الفضائية حادث الاختراق يمر مرور الكرام، ولكنها قامت بتحليله، بأسلوب اللئام، وعملت على تحويره، بعيدا عن الوئــــام، لتوجيـــه الرأي العــــام الخليــــجي والعــــربي ضـــد قطـــر، رغــــم قـــــيام مــــديـــــر «مكتب الاتصال الحكومي» بتوضيح الحقيقة، التي أرادوا طمسها، والركوب فوقها، لترويج دعايتهم المسيئة، وتمرير أهدافــهم المشيــــنة, لتشـــكيل مواقف مائلة، واحداث بلبلة هائلة!
.. ومهما يكن من أمر الجهة المعادية التي اخترقت موقع «وكالة الأنباء القطرية»، كما فعلت أيضاً نفس فعلها الاجرامي مع موقع وزارة الخارجية، فإن الأمر الأكيد المؤكد أن مواقف قطر المعلنة لا تحتاج إلى تجديد، ولا تتطلب أي تأكيد، لأنها تؤكد نفسها بنفسها على كل صعيد.
.. ويأتي اختراق الموقع الرسمي للوكالة محملاً بالكثير من الدلالات، بأن قطر مستهدفة بـ«الإرهاب» مثل غيرها، سواء كان «إرهابا إلكترونيا»، أو جنونياً جنائياً انتحارياً كما وقع في مانشستر.
.. ومثلما لم يفرق تفجير مانشستر الإرهابي بين الكبار والصغار، بين النساء والرجال، بين الإنسان والحيوان، وكافة المعتقدات والأديان، لم تفرق الجهة المعادية التي اخترقت موقعي «وزارة الخارجية ووكــالة الأنــــباء القطـــرية» بين الصدق والكذب، وبين الحق والباطل، وبين الحقيقة والخيال، فدست تصريحاً مغلوطاً، يتضمن حزمة من المواقف المتناقضة، التي لا يمكن الارتكاز عليها، ولا يمكن الارتهان إليها.
.. ويكشف «الاختراق الإرهابي» حقيقة أنه لا توجد دولة بمعزل عن الإرهاب، وأنه لا يمكنها وحدها وقف الهجمات الإرهابية، بشقيها الجنائي والإلكتروني أو التقليل من خطورتها، أو الحد من تكرارها، مهما بلغت قوتها.
.. ولعل المفارقة أن «بريطانيا العظمى»، التي اخترعت شخصية بطلها الخيالي، أو عميلها السري المسمى «جيمس بوند» تقف عاجزة اليوم أمام ضربات الإرهاب المتلاحقة التي أصابتها في أكثر من مكان، وضربتها في أكثر من زمان، منذ تفجيرات لندن الدامية، التي استهدفت عاصمتها عام 2005، وأوقعت يومها 52 قتيلا.
.. ورغم الإجراءات الأمنية الصارمة التي تتخذها السلطات البريطانية لحماية مجتمعها، ما زال الإرهاب يشكل تهديداً حقيقياً في بريطانيا، وما زال مستمراً وقاتلاً في أوساطها.
.. ولعل إزهاق أرواح 22 قتيلاً في تفجير مانشستر يؤكد هذه الحقيقة البشعة، حيث لاتزال الحكومة البريطانية تواجه صعوبات حقيقية في معالجة الملف الإرهابي المعقد، مما يعكس الثغرات الكثيرة في الاستراتيجية الأمنية المتبعة في بريطانيا لمكافحة الإرهاب.
.. ورغم التدابير الصارمة بكل إجراءاتهـــا الحازمـــة، لم تســـتطع السلطات البريطانية إجهاض العمليات الإرهابية قبل وقوعها، في إطار الإجراءات الوقائية التي تتخذها، أو الاستباقية التي تنتهجها، مما يؤكد صعوبة الحيلولة دون وقوع هذه العمليات الشيطانية بالوسائل الاستخباراتية وحدها.
.. ولم يشفع للإنجليز البطولات الخارقة التي ارتبطت باسم عميلهم السري (007) للقضاء على الجماعات المارقة، ولم يتمكن «جيمس بوندهم»، وهو الشخصية الخيالية التي ابتكرها الأديب الإنجليزي «أيان فيلمنغ» من وقف الأعمال الإرهابية!
.. ورغم أن بريطانيا تملك جهازاً استخباراتياً قوياً، ورغم أن لديها خبرات متراكمة في التعامل مع الإرهاب، فقد تعرضت جبهتها الداخلية مجدداً إلى اختراق إرهابي في مدينة مانشستر التي أُحبها.
.. وعلى مــدى الســــنوات الماضــــية، وبالتحديد منـــــذ عـــــام 2004 ظلــت هــذه المدينة الإنجليزية تشكل عنصراً مهماً في ذاكرتي، ومكوناً مؤثراً في ذكرياتي، حيث تلقى 3 من أبنائي وبناتي دراستهم في جامعاتها وتخرجوا فيها.
.. وحصلت كريمــتــي على شهادة الماجستـــــير في الهنــــدســـة في رحـــــابها، وما زال نجــلي الأصــــــغر يـــواصــــــــل تعلــيمــــه الجامــــعي فيــــها، لـــدراســـــــة تطبيــــــــقــــات «أمن الكمبيوتر وحمايته من القرصنة الإلكترونية»، وسيتخرج بمشيئة الله عام 2019، ليخدم وطنه في هذا التخصص الحيوي.
.. وخلال زياراتي المتكررة إلى مانشستر كنت أستمتع بارتشاف القهوة في مقاهيها، وأتمتع بالتردد على مكتباتها لاقتناء أحدث إصدارات دور النشر العالمية، والتجول في مركز «أرنديل» للتسوق في محيطها التجاري.
.. ولكل هذا وغيره فقد شكل التفجير الإرهابي الذي استهدف حشداً من الحاضرين حفلاً موسيقياً في أحد مراكزها الثقافية صدمة عميقة في داخلي، وترك أثراً مؤلماً في نفسي، حيث كان ممكنا أن يكون نجلي، أو أحد زملائه من الطلبة القطريين الدارسين في مانشستر من ضحايا ذلك التفجير الانتحاري، الذي أوقع 22 قتيلاً من الأبرياء الصغار.
.. وما من شـــك في أن ذلك الحـــــادث الإرهـــابي لم يــــهز أرجاء مانشستر وحدها، وإنما هز ضمير العالم أجمع، بجميع جهاته وكافة اتجاهاته وكل دياناته وعامة ثقافاته ومعظم مكوناته، وخصوصاً أن تلك المدينة الإنجليزية المستهدفة، كانت تعيش ليلة هادئة من لياليها الصيفية الهانئة، حضر خلالها محبو الموسيقى حفلاً للمغنية الأميركية «أريانا غراندي»، مثلمــــا نحـــضر مع عائلاتنا حفلات «ربيع سوق واقف»، عنــــدمــــا فاجــــأهــــم انتحــــاري يـــدعى «سليمـــان عبيـــدي» بتفجـــير نفــــسه، مما أوجع ملايين المسلمين عبر العالم، الذين يعبرون عن رفضهم واستنكارهم لهذا العمل الاجرامي.
.. ويقتضي الواجب الإسلامي والإنساني والأخلاقي التعبير عن تعاطفنا مع بريطانيا وشعبها الصديق، وإعلان تضامننا مع حكومتها، من أجل التخفيف من وطأة مصابهم الجلل.
.. ومن خلال الكلمات التي أكتبها في هذا المقال أضع أكاليل الزهور في المكان المستهدف، الذي شهد حادث التفجير الإرهابي تعبيراً عن إدانتي للحادث المروع، الذي يشكل في مضمونه نوعاً من التعطش السادي في ممارسة الإرهاب.
.. ولا جدال في أن تفجير مانشستر يطرح بقوة حزمة من الأسئلة المتعلقة بملف الإرهاب، وخصوصاً أن ذلك الحادث الجبان المدان أوقع عشرات الضحايا الأبرياء في المكان.
.. ولعل في مقدمة الأســـئلة التــــساؤل عن ذنب أولئــــك الضـــــحايا الذين قضوا في الاعتداء المروع؟!
وما الذي يدفــــع شـــاباً مسلماً ترعرع في أحضان المجتمـــع البريطـــاني المتحضر إلى تفجـــــير نفســـه، والإضــرار بمجتمعه الغربي الـــــذي احتـــضنه، دون تفكير في عواقب عمله الإرهابي؟!
ماذا تستفيد الجهة التي دبرت العدوان غير زيادة منسوب الكراهية ضد المسلمين، حيث يأتي الحادث حافلاً بالعديد من التعقيدات، ليس من السهل التنبؤ بمسارها في مسار علاقات أو تعاملات بريطانيا مع مسلميها؟!
.. وما من شك في أنه من حق الحكومة البريطانية حماية مواطنيها، وصيانة سيادتها والمحافظة على سياستها، ومن حــــق رئيــــسة حكــــومتــــها «تيريزا ماي» أن تعلن حرباً بلا هوادة ضد الجهة الفاعلة، ومن حقها استخدام جميع الوسائل المتاحة لمحاربتها.
.. وفيما تنشــــغل الأجهزة المختصة في بريطانيا في البحث عن هوية المشاركين في تفجير مانشستر، بعد الكشف عن شخصية منفذه الإرهابي «سليمان عبيدي» تزداد مخاوف الجاليات الإسلامية هناك من وضع المسلمين جميعاً في خانة واحدة، والحكم عليهم كإرهابيين !
.. ويسعى مسلمو بريطانيا وغيرها إلى إقناع مجتمعهم الغربي الحاضن بضرورة الفصل بين العمليات الإرهابية المدانة، التي لا يمكن قبولها، ولا تبريرها، أو تمريرها وبين عموم المسلميــــن، الذيــــــن لا يؤيـــدون منتســــبي الفكــــر المتطــــرف في أفكــــارهم الإجــــراميــــة، ولا يشجعونهم على أفعالهم الإرهابية، ولا يباركون أعمالهم الشيطانية.
.. وما من شك في أن إرهاب «تنظيم الدولة» لا يعكس جوهر الإسلام، وخصوصاً بعدما باتت ذئابه المنفردة تشكل التهديد الأكبر في القارة الأوروبية.
.. ولا جـــــدال في أن أعمــــاله تمثــــل ســــلوكــــاً وحشـــياً، حيـــث يمــــارس أفعاله بطريقة دموية عمـــياء، لا تفريــــق فيها بيــــن الجنـــــاة والأبريـــاء، ولا تمييز فيها بين شرائع السماء.
.. ولهذا يواجه المسلمون في أوروبا تحديات خطيرة، لأن القارة الأوروبية التي احتضنتهم، وشكلت ملاذاً وملجأ لهـــــم طيلـــة عشــــرات السنين الماضية تشهد الآن بسبب العمليات الإرهابية المتكررة، موجات متلاحقة ضدهم من العنصرية البغيضة، وشحنات متواصلة من الكراهية المريضة، لدرجة أن كل مسلم صار متهماً حتى يثبت العكس، وكل عربي صار معرضاً للاتهام بأنه «إرهابي» على الدوام!
.. وتعيش الجاليات المسلمة في مانشستر تخوفا كبيراً من تداعيات ذلك التفجير الإرهابي، خاصة أن المسلمين فيها يشكلون جزءا لا يتجزأ من نسيجها الاجتماعي.
.. ويرجع الوجود الإسلامي في مانشستر إلى عقود من الزمن، وهناك مهاجرون مسلمون من باكستان والهند وسائر دول المنطقة، وتوجد أحيــــاء كاملة وشوارع تجارية تعتز بهويتها الإسلامية، من بينها شارع «رشم» الذي تغص محلاته بالزوار، وكلهم يعيشون بوئام، ويتعايشون بسلام مع الشعب البريطاني الصديق، ويعتبرون أنفسهم جزءا لا يتجزأ من المجتمع الإنجليزي.
.. ووفقاً لتجربتي الشخصية المكتسبة في مانشستر أستطيع القول إن هذه المدينة الإنجليزية تشكل نموذجاً من التسامح والتجانس والتعايش بين مختلف الديانات والثقافات والجنسيات.
.. وهناك تجد الطالب المسلم يتلقى تعليمه جنباً إلى جنب مع زميله المسيحي، وتجد الآسيوي يتشارك مع الأوروبي في ســـكن واحـــد، ويجتمعان سوياً تحت سقف مظلتهما الجامعية.
.. ولكل هذا ليس في مصلحة أحد حدوث انشقاق في مجتمع مانشستر المتعدد الثقافات المتنوع الديانات.
.. وليــــس من ريــــــب أن مسلمي بريطانيـــا، والمسلمــــين جميعاً هم الخاسر الأكبر من تفجير مانشستر.
.. والمؤسف أن حادثا إرهابيا كهذا لابد أن تكون له تداعيات أو تبعات ليست بالهينة ولا أقول المهينة على الجاليات المسلمة.
.. ولعل النتيجة المؤكدة لذلك الحــــادث الإرهــــابي هي تشويه صورة الإسلام في بريطانيا، وتخويف البريطانيين وغيرهم من الأوروبيين من مزاعم «الخطر الإسلامي» الذي يستهدف القضاء على حضارتهم !
.. وهذه الدعـــــــاية السلبيـــة تروجها الأحزاب اليمينية الأوروبية المتطرفة التي تتـــصاعد دعــــواتها لإعادة النظر في قوانين الهجرة، وإيقاف تــــدفق المهــــاجريــن القادمين من مناطق الصراع في الشرق الأوسط.
.. ولكل هذا نطالب الحكومات الغربية بنظرة أكثر عمقاً لفهم ظاهرة «الإرهاب» المتورمة كالأورام السرطانية، ودراستها من جميع جوانبها ومعرفة أسبابها.
كما نطالب الحكومات العربية بوقفة أكثر حزماً لمواجــــهة الظاهــــرة الإرهابية المتنامية، التي لا يقرها الإسلام، لأنها تتنافى مع قيمه وشرائعه التي جاءت رحمة للعالمين.
.. ولا جدال في أن الإدانة وحـــــدها لا تكفي، والاســـــتنكار لا يجـــدي لمواجهة هــــذه العمليات الإجرامية، التي تقدم صورة سيئة عن الإسلام والمسلمين في الذاكرة الغربية.
.. وما من شك في أن القضاء على الإرهاب يستدعي تكاتف كل الجهود الدولية لمحاربته، أيا كان مصدره أو نوعه، بموقف واحد أخلاقي وسياسي وإنساني وقانوني وحقوقي وحضاري، لا يفرق بين إرهاب «تنظيم الدولة»،وبين إثارة الارتياب في مواقف الدولة، الذي مارسته بعض الجهات المعادية ضد قطر من خلال قرصنتها الإلكترونية، كما حدث في جريمة اختراق موقعي وزارة الخارجية، ووكالة الأنباء القطرية !
.. وهو «الحادث الإرهابي الالكتروني» الذي جعل العديد من «الذئاب المنفردة» تظهر على شاشات الكثير من القنوات الفضائية بالصوت والصورة، لتهاجم قطر- للأسف الشديد- وتنبش وتنهش في سياستها بطريقة مسعورة !
بقلم:أحمد علي

أحمد علي