كتاب وأراء

شروخٌ في العلاقة عبر الأطلسي

لعل المستشارة الألمانية «إنغيلا ميركل» كانت تستحضر موقف الرئيس الفرنسي الأسبق «شارل ديغول»، وهي تشيد بأوروبيتها يوم الأحد الماضي، قائلةً: «إن علينا كأوروبيين تحديد مصيرنا بأنفسنا». بهذه العبارة أرسلت الدكتورة ميركل رسالةً إلى الشريك الأميركي مفادها: «إن الولايات المتحدة لم تعد شريكاً يُعتمد عليه من قِبل بلادها،وبقية البلدان الأوروبية».
وبهذا أرخت ستارةً على حقبةٍ زمنيةٍ امتدت زهاء سبعين عاماً منذ وضعت الحرب العالمية الثانية أوزارها، وتولّت الولايات المتحدة خلالها قيادة الغرب، في بناء نظامٍ دوليٍّ جديدٍ، قوامه: حلف شمال الأطلسي، والاتحاد الأوروبي، وإيمانه بالديمقراطية، والسوق الحرة، وكان لفرنسا، وألمانيا، وبريطانيا مركز الثِّقل في هذه الجهود التي عممت السلام والرخاء على الملايين، في حين تصدّت لتهديدات الاتحاد السوفياتي، وأسهمت في وضع حدٍّ لحرب البوسنة، وحاربت التشدد في أفغانستان.. كما ترى صحيفة «نيويورك تابمز» الأميركية.
يقول مراقبون غربيون: إن هذه الشراكة عبر الأطلسي لا تزال حيةً، لكنهم يتساءلون عن كيفية ومدى فاعليتها في ظل تراجع القيادة الأميركية. وهذا التراجع لا يعني بالضرورة التحدّث عن حل منظمة حلف شمال الأطلسي «الناتو»، فأوروبا لا تزال تولي اعتماداً كبيراً على الولايات المتحدة الأميركية، وسلاحها النووي والتقليدي في حماية الأمن الأوروبي. لكن ملاحظات المستشارة الألمانية «إنغيلا ميركل» سلّطت الضوء على خلافاتٍ عميقة بين الشريكيْن: الأميركي والأوروبي، كان المستفيد منها هو الرئيس الروسي «فلاديمير بوتين» الذي يرى في هذا التحالف خصماً قوياً إبان حقبة الحرب الباردة.
وكان القادة الأوروبيون يأملون في التوصّل مع الرئيس الأميركي «دونالد ترامب» إلى مواقف أكثر التزاماً وتقارباً في أول اجتماعٍ يضمّهم وإياه تحت مظلة حلف شمال الأطلسي، ومجموعة السبعة الأسبوع الماضي.. ويبدو أن هذه الآمال قد تبخّرت بسبب توكيد الرئيس ترامب على ما ردّده إبّان حملته الانتخابية من اتهاماتٍ لهم بعدم تقديم التمويل الكافي في النفقات العسكرية، وبرفضه التوكيد على أساسٍ وطيدٍ للدفاع المشترك.. كما اختلف معهم حول موضوعاتٍ أخرى، في حين أظهر ليونةً ونوعاً من المصالحة مع روسيا، ورفض تمرير اتفاق باريس حول تغيير المناخ.
هذه إشاراتٌ إلى تغييراتٍ محتملةٍ في العلاقة بين شركاء الأمس، ونمو علاقةٍ بين أطرافٍ أخرى، قوامها المنفعة والمصالح بين أعداء الأمس.

بقلم : حسن شكري فلفل

حسن شكري فلفل