كتاب وأراء

رمضان من جديد

عاما بعد عام نشتاق كما لا نشتاق من قبل إلى حلول شهر الرحمة والغفران (رمضان) وها نحن جميعا عاقدون النوايا «إن كتب لنا» أن نصومه إيمانا واحتسابا ونجدد فيه الروح التي أرهقتها الذنوب والمحن متضرعين بالدعاء إلى المولى عز وجل ليكون حلوله علينا مليئا بالخير والوئام والاطمئنان وعلى جميع إخواننا المسلمين وأن يغفر لكبيرنا وصغيرنا حينا وميتنا.
إنَّ من رحمة الله الواسعة أن جعل للإنسان مواسم تذكره بهدف وجوده وتعيد رسم أولوياته واهتماماته، وشهر رمضان هو أحد تلك المواسم التي يكون فيها الإنسان على موعد لإعادة بناء شخصيته التي قد رسمها وهو بعيد غافل عن الله سبحانه وتعالى، وهو على موعد لإعادة النظر والتأمل في سلم أولوياته واهتماماته، فهذا الشهر المبارك يدعو الإنسان ليسأل نفسه: هل يا ترى إن اهتماماتي هي اهتمامات حقيقية؟ أم أنها لا تعدو أن تكون مجموعة من الأمور الهامشية والعبثية أو على أقل تقدير ثانوية وفرعية؟ وماذا عن برنامجي اليومي؟ هل هو مليء بما يبني الشخصية وينميها أو بما يهدمها ويكسرها؟ هذه الأسئلة يجب على الإنسان أن يطرحها على نفسه باستمرار وعليه أن يجيب عنها بكل صدق لأنه هو المتضرر الأول من عدم الصدق مع النفس، ثم إن على الإنسان أن يتحلى بالشجاعة الكافية ليعترف بخطئه إن كان مخطئاً وليغير من واقعه.
وعن مقال للدكتور خالد سعد النجار بعنوان «الصوم والصحة النفسية» ذكر فيه أن في رمضان تتجلى أسمى غايات كبح جماح النفس وتربيتها بترك بعض العادات السيئة وخاصة عندما يضطر المدخن لترك التدخين ولو مؤقتا على أمل تركه نهائيا، وكذلك عادة شرب القهوة والشاي بكثرة، هذا فضلا عن فوائد نفسية كثيرة، فالصائم يشعر بالطمأنينة والراحة النفسية والفكرية ويحاول الابتعاد عما يعكر صفو الصيام من محرمات ومنغصات ويحافظ على ضوابط السلوك الجيدة مما ينعكس إيجابا على المجتمع عموما، قال صلى الله عليه وسلم: «الصيام جُنّة، فإذا صام أحدكم فلا يرفث ولا يجهل وإن امرؤٌ قاتله أو شاتمه فليقل إني صائم إني صائم» رواه البخاري وغيره.
وقد أثبتت دراسات عديدة انخفاض نسبة الجريمة بوضوح في البلاد الإسلامية خلال شهر رمضان، إن شهر الصوم المبارك يزيد من قوة الإنسان وقدرته على التغلب على الشهوات، فالصيام ليس فقط امتناعا عن الطعام والشراب، ولكنه قبل ذلك امتناع عن العدوان والشهوات وميول الشر، ومن فوائد الصيام الأخرى أنه يخضع الملذات لإرادة الفرد، فعند الصيام يحدث نقص في سكر الدم، وهذا يسبب نوعا من الفتور والكسل والسكينة، وهذه الأحاسيس تؤدي إلى نوع من الضعف والقابلية للإيحاء، ومن ثم يكون الإنسان في حالة من التواضع وعدم الاختيال بالذات مع إحساس بالضعف الديني، ومن هنا يأتي الخشوع والاتجاه الصحيح إلى الله، وهو ما يعزز إيمان الإنسان ويقوي عقيدته، وهكذا نجد الصيام هو الذي يعمق الخشوع والإحساس بالسكينة، والتحكم في الشهوات وإنماء الشخصية.
نشرت «فام أكتويل» المجلة الفرنسية الأسبوعية في آخر عدد لها دراسة أجراها مجموعة من الباحثين الأميركيين عن مدى فائدة الامتناع عن الأكل في الفترة الصباحية إلى الغروب (الصيام) في علاج بعض الأمراض التي تصيب الأوعية الدموية للمخ كالرعاش والزهايمر وأثبتوا أن الصيام لمدة يومين متتاليين يخفض الكثير من السعرات الحرارية، ويزيد من نشاط الخلايا العصبية، كما تعاون مع الباحثين فريق بحث إيطالي أثبت بدوره أن الصيام لمده 10 أيام متتالية مع الاعتماد على نظام غذائي مبني فقط على الخضار يساعد بشكل كبير مرضى التهابات المفاصل حيث يخفف الآلام الناتجة عن الالتهابات كما يساعد على تهدئة العديد من الأمراض التي تصيب القلب ويظهر هذا بشكل جلي لدى مرضى الضغط. فاللهــم يا ربَ شهر العلياءِ والترقي، تقبل منا الصيـام والقيـام وقراءة القـرآن، واجعل قلوبنا تخشع من تقــــــواك، واجعل عيوننا تدمع من خشيتك، واجعلنا يا رب من أهل التقوى وأهل المغفـــرة.

بقلم : خولة مرتضوي

خولة مرتضوي