كتاب وأراء

نور التي ألقيت من الطابق الثالث !

يرعبني صوت السلطويين في أي مكان في العالم، أنني لا أتوق للعراك مع الآخرين منذ طفولتي، لا أرفع صوتي عالياً إلا حينما أطالب بحق من حقوقي، عدا ذلك، فأنا أخشى من الأصوات العالية، ظللت لسنوات طويلة من عمري وأنا أنظر لأي صاحب سلطة بنظرة غريبة، ربما لم أحبها يوماً ولم أرتح لها، كنت أهرب من أي صالون نسائي، ما أن أسمع فيه صرخات صاحبة المحل على إحدى موظفاتها لأي سبب كان، لا أحترمها لا أقدرها لا أثق بالمكان، ولا أعود إليه مجدداً، كما أنني لا أعاود زيارة أي مقهى أو مطعم، أجد فيه مدير المكان يصرخ على نادل المقهى، وأيضاً لأي سبب مهما بلغ حجم الجُرم الذي أقدم عليه النادل، لا يهمني إن سرق أو أختلس من المحل، يهمني ألا يحدث هذا أمام عيني، فأنا لا أريد أن أشهد أي عراك علني، ولست جزءاً منه.
وحينما كنت في المدرسة، فهمت مشاعري بشكل جيد، لم أكن أستطع أن أتلقى الصفعات أو الإهانات من قبل أي معلمة، لم أكن أملك القدرة الهائلة التي تملكها بعض الفتيات، حينما تصبح الأمور بالنسبة لهن سيان، لذا، قررت أن أكون متفوقة، وهنا أتحاشى أي توجيهه أو تسلط من قبل معلمات المدرسة، لاحقاً اكتشفت أنني فتاة مطيعة وتسمع التوجيهات بشكل جيد جداً، أقبل نصائح الزميلات والصديقات، وأحفظها عن ظهر قلب، ربما لا يبدو ذلك ظاهراً أمامهن، لكنني في الحقيقة مازلت حتى هذه اللحظة طالبة مجتهدة، وكل هذا لأنني لا أرغب في الدخول في أي نوع من المعارك، لا أطيق فكرة أن أشرح موقفي أو الأسباب التي دفعتني لاتخاذ هذا القرار أو غيره.
وحين قرأت خبر المعلمين اللذين ألقيا طالبة من الطابق الثالث في باكستان، لرفضها تنظيف الفصل، عاودتني الصور القديمة عن مفهوم السلطة والتسلط، حينما كنا صغاراً كانت الفتيات على الدوام يشتكين من تسلط أحد الوالدين في البيت، أما الأب أو الأم، وكنت أضع يدي على قلبي، أشكر الله أنني لم أكن أعيش حياتهن، فكانت الزميلات في الصف يسألنني على الدوام، من الأقسى والدك أم والدتك؟ فكنت أجيب كلاهما أطيب من الطيب ذاته، فكن يستغربن أنني أعيش حياة بلا تسلط قسري، ولكن لربما عشت تسلطاً آخر من شقيقاتي، ولكن الأمر اختلف الآن، فلم يعد هناك مجال لفرد العضلات أو الشعور بالغيرة، انتهت مثل هذه المشاعر مع تقدم الحياة والانفتاح الثقافي والفكري.
ولنعود الآن إلى الطالبة فجر نور التي تبلغ من العمر 14 عاماً، ولا أعرف ما يمكنني أن أسمي رفضها، شجاعة أم تحدي؟ لكنها الآن تصارع من أجل البقاء على قيد الحياة، في مستشفى بلاهور، وذلك بعد تعرضها لإصابات خطيرة إثر الحادث، ويقول الأطباء أن نور تعاني من كسور متعددة، كما أصيبت بقطع في الحبل الشوكي، من ناحية أخرى، أصيب والدا نور بحالة من عدم التصديق، حيث أعربا عن صدمتهما بسبب تحول المعلمين إلى هذا القدر من عدم الإنسانية.
إنها السلطة ليس إلا!

سارة مطر