كتاب وأراء

قطر وثمن الانحياز إلى القضايا العادلة

ربما كان السياق الذي بدأ منه الهجوم الإعلامي على دولة قطر أشبه بعمل هزلي يثير السخرية بالنظر إلى استناده إلى تصريحات ملفقة وأكاذيب مختلقة. غير أنه من الأكيد أن الأطراف التي تقف وراء هذا التحشيد الإعلامي والتحريض المكثف ضد توجهات قطر وحكومتها إنما هي في الواقع بصدد تنفيذ أجندات كان قد تم الإعداد لها منذ فترة ووجدت طريقها للتنفيذ العلني في الفترة الحالية.
وإذا أردنا فهم خلفيات الحملة وأسبابها فيمكن القول إن الأمر يعود إلى ما تنتهجه حكومة قطر من توجهات تقوم أساسا على مبدأ الاستقلالية ورفض الوصاية من أي طرف كان. ومهما كانت المبررات التي يسوقها البعض لشيطنة السياسة القطرية فإن الوقائع تكشف أن السر يكمن في مواقف الدعم التي تبديها قطر للقضية الفلسطينية وخاصة لحركات المقاومة ورفضها الدائم لحصار غزة وهو أمر يثير حفيظة الكيان الصهيوني وامتداداته المختلفة.
ويذكر الجميع إصرار الدوحة على عقد قمة عربية لدعم غزة بتاريخ 16 يناير 2009 والتي جاءت في ظل عدوان صهيوني مدمر على القطاع وقابلها مقاطعة من دول عربية توصف بأنها كبرى التي ظلت دوما تتوجس من المقاومة الفلسطينية التي تقودها حركة المقاومة الفلسطينية حماس الأمر الذي جعلها أقرب إلى الخندق الصهيوني منها إلى الضمير العربي. ولم تكن مبادرة قطر هذه منعزلة عن قراراتها التي سعت إلى إعادة إعمار القطاع ومساعدة الفلسطينيين على مزيد الصمود في أراضيهم ومواجهة العدوان. وقد كانت قطر واضحة في مواقفها سواء في رفضها لكل أشكال العدوان على الأراضي الفلسطينية أو في استقبالها لقادة المقاومة الفلسطينية في ظل سعي صهيوني محموم لتصنيف هذه القيادة ضمن قوى الإرهاب الدولي وهو الأمر الذي لم يتأخر ترامب عن الإصداع به مؤخرا في قمة الرياض دون اعتراض من الدول العربية صاحبة الشأن التي ظهرت وكأنها لا تعترض على التوجهات الأميركية بل وتجد لها مبررا من جهة مشاركة بعضها مثل مصر في محاصرة القطاع أو سعي دول أخرى إلى فرض توجهات استسلامية على الفلسطينيين.
عدا ذلك فإن الحراك القطري الحثيث أزعج بعض الدول العربية التي توصف بأنها كبرى، ورأت أن قطر بحراكها النشط باتت لاعبا محوريا في المنطقة خاصة بعد موجة الربيع العربي التي أثارت هلع بعض الدول التي توصف بأنها كبرى أو تلك التي تقوم بدور وظيفي للمصالح الصهيونية والغربية في المنطقة. فالتحولات الكبرى التي حصلت في المنطقة والتي أودت ببعض أنظمة الاستبداد والطغيان في المنطقة لم تر فيها قطر ما يهدد مصالحها وإنما اعتبرتها علامة على حيوية المنطقة وإمكانية انتقالها نحو عهد ديمقراطي تقرر من خلاله الشعوب العربية مصائرها وتحدد مصالحها. في المقابل تحركت دول عربية أخرى نحو وأد الثورات العربية وإفشالها فكان أن عمدت بعض الدول إلى سحب استثماراتها من دول الربيع العربي (مثلما حصل في تونس) لتنتقل بعدها إلى مرحلة دعم الثورة المضادة بداية من تلويث الثورة السورية ومرورا بإطاحة النظام الجديد في مصر من خلال عمل انقلابي وانتهاء بمحاولة خلق بؤر توتر في ليبيا واليمن وتونس. وكل هذه السياسات لا تلتقي مع التوجهات العامة لدولة قطر التي لا تخفي دعمها لأشقائها من الشعوب العربية المختلفة باعتبار أنها لا تجعل علاقاتها مرتبطة بالحكام بقدر ما هي علاقات مع الشعوب وهو ما يثير انزعاج بعض الأنظمة السلطوية ممن تعتبر أي تحول في المنطقة هو مس بمصالحها وتجعل من حماية الأنظمة الاستبدادية ومحاربة كل نفس تحرري- خاصة إذا كان مقترنا بحضور معين للحركات الإسلامية- خطرا يهدد مصالحها المفترضة التي هي في الواقع مصالح اللوبيات الدولية النافذة المعادية للشعوب العربية.

بقلم : سمير حمدي

سمير حمدي