كتاب وأراء

بحضور «صاحبة السمو» .. قدمها «النائب العام» .. وتشرّفتُ بحضورها

«وجبة ثقافية» في صالون «قصر الوجبة»

«وجبة ثقافية» في صالون «قصر الوجبة»

بيني وبين الثقافة ارتباط وثيق، وتواصل عميق.
.. ومن خلال ذلك الارتباط المتواصل، والرابط المتصل، تشرّفت بحضور أمســــية في «الـــصالون الثقـــافي»، الذي يلتئم سنوياً في «قصر الوجبة»، خلال شهر رمضان المبارك، حيث تمضي أيام وليالي الشهر الكريم كطبيعتها،وحيث تسير الفعاليات الرمضانية كعادتها، وحيث تتواصل الحياة طبيعية في دولتنا كعهدها، وحيث تنساب الأنشطة بمختلف أنواعها في أوساط مجتعنا القـــــطري، كانســـياب مياه الخليج على شواطئنا.
هناك حيث تستلقي عاصمتنا على أكتاف سواحلها، وتمشط شَعْرَها على شاطئ البحر، وحيث تواصل «دوحتنا» إلقاء شِعْرِها فوق رمال البر، بنفس قوة الإلقاء، ونفس المستوى الراقي من الأداء، ونفس العطاء والإباء، والبهاء ، ونفس الزخم الهائل من الكبرياء، وهي الصفات المتوارثة التي تميز الشخصية القطرية.
.. ولا غرابة في ذلك فهذه هي قـطــــر ماضياً وحاضراً تقف دائما مرفوعة الرأس شامخة ثابتة على أرضها، متمسكة بموقفها الذي لن تحيد عنه، ولن تقوم بتغيير سياستها المستقلة مهما كانت الظروف أو الضغوط.
وسط هذه الأجواء كنت هناك في «قصر الوجبة» حاضراً واحدة من أمسيات «صالونه الثقافي»، تلبية لدعوة كريمة من «صاحبة السمو» الشيخة موزا بنت ناصر، أحياها سعادة «النائب العام» الدكتور علي بن فطيس المري، وأدارها بكفاءته المعهودة الدكتور «دين محمد» أستاذ الفكر الإسلامي والأديان في جامعة حمد بن خليفة، وكان موضوع الحلقة النقاشية «آليات مكافحة الفساد».
.. ولدعم الأفكار الواردة في المقال قمت باختيار الصور الأرشيفية المنشورة على الصفحة بكل دقة، رغم عدم ارتباطها المباشر بالحدث الذي يتناوله الحديث.
.. ولأن «الصــــالون الثــــقافــــي» في «قــــصر الوجــــــبة» يعتـــمـــد عــلى روافع نسائية قطريـــــة في مقدمتـــها الأخت الفاضــــلة الدكتــــورة عائشة المناعي فقد حرصت على نشر صورتها رغم عدم حضورها تلك الحلقة النقاشية المعنية، تقديراً لدورها في إدارة الفعاليات الثقافية السابقة، التي نظمها «الصالون الرمضاني» واعترافاً بحضورها الفكري، ونشاطها المعرفي اللذين تشهد لهما جلسات «الصالون الثقافي».
.. وما من شــــــك في أن هذه العــــادة الرمضــــانية الحـــــميـــدة، والأمســــيات الثقافية المحمـــودة، التي دأبت «صاحبـــة الســمو» عــــــلى إحيائها سنــــــوياً، تضيف زخمــاً فكرياً على «قصر الوجبة»، ليس كمركز للحكم فحسب، بل كمصدر للحكمة، ومنبع للمعرفة، ومشعل للتنوير، ومركز للتطوير في مجتمعنا القطري.
فهذا القصر صار، خلال الشهر المبارك، منارة من منارات العلم، ومعلماً من معالم العلوم، وعلامة من علامات الإعلام الرمضاني، حيث يشهد سنوياً خلال الشهر الكريم سلسلة من المحاضرات الثرية، والنقاشات الفكرية الغنية، تحت مظلة «صالونـــه الثقـــافي»، الذي يعد واحداً من مبادرات «صاحبة السمو» المتعددة، وأفكارها المتنوعة في مجال تعزيز المعرفة.
في ذلك «الصالون»، الفريد من نوعه ثقافيا، كنت حاضراً واحدة من محاضراته القيّمة، التي تصب مخرجاتها في رصيد مبادرات «صاحبة السمو»، في مجال تعزيز الثقافة وإعلاء شأنها، ونشرها، سواء داخل «قصر الوجبة» أو خارجه، حيث يمتد نشاطها الفكري، ويتواصل إشعاعها المعــــرفي، ليشـــكل خيـــمة، بل غيمة تهطل بأمطارها الثقافية، وتنزل بمياهها الغنية، لتروي الأرض المتعطشة للمعرفة، فتزيدها خصوبة على خصوبتها، وتزيدها ثراء على ثرائها، وتزيدها ثماراً على ثمارها.
.. وما من شك في أن «الصالــــــون الثقـــافي» الرمــضاني الممتد في «قصر الوجبة» يستمد مكانته ليس من المكان الذي يمتد فيه فحسب، ولا من المساحة التي يشغلها، ولا من الأمتار التي يشملها، ولكن يستمد قيمته الثقافية من القضايا الفكرية التي يطرحها ضيوفه، الذين يضيفون بعلمهم وثقافاتهم إضافات مضاعفة ولا أقول ضعيفة.
.. وأستطيع القول، إن الشغف بالثقافة يشكل «كلمة السر» الكامنة وراء ذلك الفعل الحضاري، فلولا شغف «صاحبة السمو» الثقافي، لما كان لذلك الصالون الرمضاني أن يرى النور، ليصبح بعدها منارة للتنوير.
لقد استطاع «الصالون الثقافي» في القصر، أن يرسخ مكانه، بل مكانته، في إطار فعاليات الشهر الكريم، وأن ينتج فعلاً ثقافياً راقياً، وعملاً فكرياً رائعاً، بعيداً عن المؤسسات ذات الصلة بالعملية الثقافية.
.. ولا أبالغ عندما أقول إن «الصالون الثقافي» في «قصر الوجبة» يشكل دليلاً ساطعاً، وبرهاناً ناصعاً، على اهتمام «صاحبة السمو» بتفعيل الحركة الثقافية في البلاد، من خلال تشجيع الحراك الثقافي الراقي، وتــــــرســـيــــــخ مبــــادئه بيــــن أفــــــراد المجتــــمع، عبـــــر تبـــــــني الحوار كسلوك حضاري، وتعزيزه كفعل حواري، يساهم في تحقيق التقارب الفكري, بأسلوب علمي, وتطبيق عملي.
.. ويعمل «الصالون» ضمن بنية تحتية ثقافية حاضرة بقوة في المشهـــــد الرمضــــاني القــــطري، ليشكل حالة رمضــــانية خاصة من الحراك الفكري، الذي يسهم بدوره في نقل المعرفة وتعزيز حضورها بين الحاضرين، من خلال تقديم زاد رمضاني غني بالمعرفة، يمكنني وصفه بأنه «غبقة ثقافية» تتيح للحاضرين وذوي العلم المدعوين الفرصة لتبادل معارفهم، واكتساب الجديد في معرفتهم المكتسبة، وتسليط الضوء على جهودهم المعرفية.
.. ويشيع «الصالون الثقافي» في «قصر الوجبة» جواً من الحوار الفكري، في إطار حرية التعبير الواعية، مع المواءمة بين الانفتاح على الآخرين، والحفاظ الراسخ عـــلى مرتــــكزات الهويــــــة الوطنـــية، الملتــزمة بالقيم الإسلامية، حيث تكتمل رسالته الجليلة، وأهدافه النبيلة، بمشاركة وحضور المرأة القطرية، التي تعتبر حاضنة الثقافة، وحافظة التراث، وحارسة الضمير الواعي، وليس المجتمعي فحسب، بصفتها الأم أو المعلمة، أو الباحثة، أو استاذة الجامعة وغيرها من التخصصات.
.. وما بين جـــــيل وآخر تظهر لنا المرأة القطــــريــــة حاضرة في «الصالون الثقافي» بصورة متعددة من صور العطاء والنقاء والصفاء والإصـــــــغاء وتنـــوع الآراء، وهذا ما لمسته من خلال حضورها في «صالون الوجبة» الرمضاني.
.. وما من شك في أن الدور التثقيفي التي تضطلع به المرأة القطرية في «الصالون الثقافي» يعد واحداً من أبرز مؤشرات التطور المجتمعي في مجتمعنا القطري، خاصة من خلال مشاركتها في تعزيز ثقافة الحوار، والاستماع إلى الآخر، مما يساهم في خلق وعي ثقافي زاهر، بل مزدهر.
فهناك في صالون الوجبة الثقافي يزدهر الوعي بشكل وافر، ويزهر زهوراً رمضانية، يرجع سبب احتفائي بها أنها تستحق الحفاوة والاحتفاء، ويكفي أن أحتفي بها لأنها زهور ثقافية، وبراعم فكرية.
.. ولهذا، فقد سعدت بدعوتي لحضور الأمسية القيّمة التي أحياها الصديق الدكتور علي بن فطيس المري «النائب العام»، الذي أذكر فيما أذكر أنه كان في بدايات حياته ناظماً للشعر، وكان يزورني بين الحين والآخر، عندما كنت رئيساً لتحرير «الراية» الرائدة بتاريخها وإنجازاتها الصحفية، لنشر قصائده عندما كان طالباً يتلقى تعليمه في فرنسا.
.. وأزيدكــــم من الشـــعر بيــــتاً، بـــأن الأجــــمل فـــــي شــــخصيته التقاء الشعر والشاعرية، مع القانون والمواد القانونية، باعتباره حاصلا على شهادة الدكتوراه في «القانون الدولي» من جامعة السوربون عام 1997، قبل أن يتولى منصب «النائب العام» منذ عام 2002، ليكون بذلك أول من يشغل في قطر هذا المنصب القضائي الهام.
وخلال محاضرته الثرية، تقمصت دور المحاور وحرصت على سؤال المحاضر عن البعد القانوني في قضية «القرصنة الألكترونية» التي تعرضت لها بعض المواقع الرسمية القطرية، ودور «النائب العام» في تحــــــريــــك الإجراءات القضائــــية ضــــد الجهات التي قامت بهذه العملية الإجرامية.
.. ولا أنسى التوقف عند أبرز الوقفات القانونية له، بعيداً عن مشاعره الشاعرية التي تتمثل في إصداره قراراً بحبس موظف في «النيابة العامة» قام بإفشاء أسرار تتعلق بتحقيق قضائي، بعد قيامه بتصوير مستند خاص بقضية منظورة كانت لا تزال قيد التحقيق، وقام بنشره في وسائل التواصل الاجتماعي، بشكل يخالف أحكام القانون، وفقاً للمادة 332 من قانون العقوبات، التي أفرد لها المشرع عقاباً رادعاً بالحبس والغرامة على كل من تسوّل له نفسه العبث بأسرار ومستندات رسمية، وقعت تحت يده بحكم طبيعة عمله.
.. وبعيداً عن ذلك الإجراء القــــــضائي، وبعــد الفصل بين أشعار «النائب العام» التي كان ينظمها عندما كان دارساً في فرنسا، وبين شعوره، وهو يؤدي دوره القانـــــوني في وطــنه قــــطر، فقــــــد تحـــول «الادعاء العــــــام» من خلال شخصــــــيته إلى «دعـــــوة» لحضور أمسيته الثقافية!
.. وهذا ما حدث لي عندما سعدت بحضور حلقته النقاشية، تحت مظلة «الصالون الثقافي» في «قصر الوجبة»، فكان ذلك بمثابة «وجبة غنية» من وجبات المعرفة الرمضانية، بحضور نخبة منتقاة من المثقفين القطريين، وكوكبة مختارة من المثقفات المواطنات، مما يؤكد الشراكة الحضارية بين الجانبين، والمشاركة المعرفية بين الجنسين، ويؤشر إلى قدرة المرأة القطرية على ولوج الساحة الثقافية، لتصنع لها مكاناً راسخاً فيها، وتضع لها قدماً ثابتة فوق أرضها.
.. ولا جدال في أن «الصالونات الثقافية» لم تكن يوماً حكراً على المجتمعات الذكورية، ذلك لأن الاسهامات النسائية في هذا المجال كانت ولا تزال كثيرة وكبيرة.
.. وعلى مرّ التاريخ الإسلامي، كان للمرأة العربية دورها المشهود في تأسيس مجالس فكرية، تعرف حالياً بمسمى «الصالونات الثقافية»، التي انطلق نشاطها في بداية عهد «الدولة الأموية»، وازدهرت في عهد «الدولة العباسية» لا سيما في قصور الخلفاء والوزراء والأمراء، وكانت مجالسهم تستقبل العلماء والأدباء والشعراء، مما ساهم في تأصيل مبدأ الحوار الهادف، وتوسيع نطاق نشر المعارف، وتعزيز دور الفكر الرادف، وترسيخ ركائز الوعي المرادف.
.. ويذكر التاريخ مجالس ثقافية، ومنتديات فكرية، نسبت إلى نساء كثيرات، منهن على سبيل المثال لا الحصر «مي زيادة» المولودة بمدينة الناصرة في فلسطين عام 1886م، التي نال «صالونها» في القاهرة شهرة واسعة في الأوساط الثقافية، حيث استمر نشاطه متواصلاً كل ثلاثاء لما يقرب من 20 عاماً.
.. ومن خلاله تبوأت صاحبته مكانة رفيعة في زمانها ومجتمعها، وحازت صيتاً واسعاً بسبب ثقافتها الواسعة، حيث كانت تتقن العديد من اللغات, منها العربية والإنجليزية والفرنسية والإيطالية والإسبانية والألمانية واليونانية.
.. وكانت تعتبر من رائدات الحركة الثقافية النسائية قبل أن يشيع استخدام هذا المصطلح، وكان «صالونها الثقافي» يستقطب عدداً من المفكرين والمبدعين, أشهرهم عباس العقاد، وطه حسين، وأحمد شوقي، وغيرهم، وكان لمجلسها الثقافي تأثيره الإيجابي في إثراء حركة الأدب، وتحريك روافد الثقافة العربية، لدرجة أنــــه حظي بالشهرة الأوسع بين الصالونات الثقافية في عصره على الإطلاق.
.. وخارج إطار ذلك السياق يمثل «الصالون الثقافي» في «قصر الوجبة» ترجمة حقيقية لشغف «صاحبة السمو» بالثقافة، واهتمامها بالعلم، وحرصها على تشجيع المعرفة، مما يعد إنجازا حضاريا يضاف إلى خطواتها المسددة، وإنجازاتها المتعددة.
لقد لعبت «صاحبة السمو» دوراً قيادياً ريادياً حضارياً ثقافياً لتمكين المرأة القطرية من أداء دورها في مجتمعها، والارتقاء به في شتى المجالات, حتى أصبحت سفيرة لوطنها في المحافل الدولية، وأصبحت تحظى بما لم تحظ به غيرها من نساء المنطقة من الاهتمام والاحترام على الدوام.
.. ويبرز الصالـــــون الرمــــضاني في «قــــصر الوجبــــة» الذي تــــــساهم المثقفـــــــة القطريـــة فـــــــي أمسيــــاته، بــــــاعتــــــــباره واحدا مـــــــن أبــــــرز منصات تعزيز الثقـــــــافـــة خـــــلال الشـــــهر الكريم، حيــــث يواصـــــــل فعاليــــاته في تفعــــــيل الفعــــل الثــــــقافي، ليــــشكل علامة فارقة في ترسيخ البناء المعرفي، داخـــل ذلــك البـناء الســـياسي أو الصرح السيادي، بمشاركة المرأة القطرية باعتـــــــبارها نصف المجتمع وحـــــاضنـــــــــة الأجــــيال وأم الرجـــــال، أصحاب الإرادة الصـــلبة كصلابة الجبال.
.. ولا يسعني في هذا المجال، قبــــل أن يرسم قلمي نقطة النهاية لهذا المقــــــال ســـــــوى توجيــــه تحية خاصة وخالصة ومخلصة إلى «صاحبة السمو»، تقديرا لجهودها الحثيثة ومساعيها الدائمة، لتنوير وتبصير وتطوير مجتمعنا القطري، بمشاركة نصفه الآخر، عبر تمكين المرأة القطرية من ممارسة دورها الحضاري، لتعكس طبيعة حاضرها، بل تحضرها الثقافي، مما يحسب في رصيد «صاحبة السمو» الإيجابي, ويؤكد على دور سموها الريادي.
بقلم: أحمد علي

أحمد علي