كتاب وأراء

«بالله عليك يا موزع .. شي معاكم بريد .. يوه»

قراءة في تسريبات «السفير» .. نجل «الشاعر الوزير»

قراءة في تسريبات «السفير» .. نجل «الشاعر الوزير»

تعيد قضية اختراق البريد الإلكتروني الخاص بـ «سعـــادة» يوسف بن مانع سعيد العتيبة سفير دولة الإمارات العربيــــــة المتحـــدة «الشقيقـــة» في واشنــطن، وهـــــو بالمناسبــــة نجــــل «معــــالي» وزيــــــر «البترول والثروة المعدنية» الأسبق، الذي تعلم القراءة والكتابة في قطر!
.. أقول تعيد هذه القضية إحياء أغنية شهيرة للفنانة الراحلة «موزة سعيد»، أول مطربة إماراتية «اخترقت» مجال الغناء، الذي كان حكراً على الرجال في مرحلة الستينيات من القرن الماضي، قبل ظهور «أحلام»، وما أعقبها من تقلبات في مواقف الأشقاء، خلقت الانقسام، وجعلت شعوب المنطقة تعاني من «كوابيس» في المنام!
.. والأغنية التي أعنيها ولا أستطيع أن أغنيها على الورق مثلما غنتها صاحبتها الراحلة بانسيابية فريدة يقول مطلعها:
«بالله عليك يا موزع .. شي معاكم بريد يوه».
.. ومثلما اشتهرت هذه الأغنية في زمانها، بعدما تم إطلاقها على «اسطوانات سالم فون»، نسبة إلى الموسيقي «سالم راشد الصوري»، الذي كان يملك محلاً في البحرين لتسجيل الاسطوانات، أو «القوانات»، كما ينطقها أهلنا في المحرق على طريقة «طفاشو»، وانتشرت على ألسنة مستمعيها ومردديها ومحبيها، فإن قضية «القرصنة الإلكترونية» التي تعرض لها بريد سفير الإمارات العربية المتحدة في الولايات المتحدة، أصبحت تدور «كالاسطوانة»، وتشغل اهتمام الرأي العام الخليجي وعموم منطقة الشرق الأوسط، وشمال إفريقيا وحوض البحر الأبيض المتوسط!
.. وبصراحة من «المحزن» حقاً أن يتعرض موقع «السفير الشقيق» إلى اختراق من هذا النوع، تسبب في خرق حسابه الإلكتروني، وإحراجه أمام العالم، بعد الكشف عن حقائق صادمة جداً في مراسلاته السرية لم يتوقعها أحد، وخصوصاً من جانبنا في قطر.
.. ولعل السبب الأكبر الذي يدعونا إلى التأثر من هذه الصدمــــة، أن الدوحــــة تشكل محطــة خاصة في قلب والد سفير الإمارات في واشنطن، «الشاعر الوزير» الأسبق معالي مانع ســعيد العتيبة، حيث انعكس حبه فائضاً بل فياضاً في شعوره وشعره، وهذا ما يظهر واضحاً في «خماسيات» شعرية كتبها إلى «سيدة المحبة» قال فيها عن قطر:
«سيدتي قلبي لنصفين انشطر»
«في أبوظبي نصف .. ونصف في قطر»
.. ولا أبالغ عندما أقول إن قطـــــر تعيــــش في دواخل والده، فـــي الوقـــت الذي كان فيه الوزير الشاعر أو الشاعر الوزير يعيش داخل وطنه، قبل أن يستقر به الحال للإقامة الدائمة في المغرب، في الوقت الذي يهفو قلبه إلى المشرق.
.. وما من شك في أن كل حرف من حروف قطر ظل يلمع كسيف مسلول في ذاكرة والده الشاعر صاحب المشاعر، أو مثل رمح مصقول تنعكس عليه أشعة الشمس، فتعيد في داخله ذكريات الأمس.
.. ولا عجب في ذلك، حيث تدرج والده في المراحل الدراسية بمختلف المدارس القطرية، في أواخر الخمسينيات وأوائل الستينيات من القرن الماضي، وأتمّ الثانوية العامة عام 1963 في الدوحة، حيث كانت قطر تشكل بالنسبة لأهل «الإمارات المتصالحة» آنذاك، منارة العلم والتعليم والمتعلمين، يأتي إليها أهلنا في «شرق» قبل قيام «دولتهم الاتحادية» للتزود من علمها، والاستفادة من نظامها التعليمي، الذي يتم من خلاله توزيع المنح الدراسية على «المحتاجين» من دول الجوار الخليجي، بما فيها منحهم الرواتب الشهرية، وكسوة الشتاء والصيف.
.. وتقديراً لتحضرها التعليمي، وحضورها العلمي، كانت الدوحة تشكل بالنسبة للدارسين في مدارسها فجراً ينبلج من بين قطرات الندى، لينشر الضياء، وينثر الأضواء، في الوقت الذي كانت بلادهم تعيش في غياهب الظلم، وتغرق في حلكة الظلام!
.. ولكل هذا فإن الماضي المضيء الذي عاشه في قطر مانع سعيد العتيبة والد سفير الإمارات في واشنطن، ما زالت أحداثه تنبض، وذكرياته تربض في أعماق «معالي الوزير الشاعر» كأصداف اللؤلؤ الرابضة في «الهيارات»، حيث «الدانات» تلمع وتبرق في أحشاء «المحارات» المنتشرة في قاع البحر، والتي تحتاج إلى «غواص» شاطر ينظر إليها بعين الصقر.
.. ومــــــن خـــلال العـــيـــن الموجـــودة في قــــلمي لا بد أن أكتـــــب هذا الســــطر، الذي اقتبسته من أشعار مانع العتيبة في مدح قطر، حيث يقول بأبيات الشعر:
«في بابك المشرع للضيوف»
«لا يقف الحراس بالسيوف»
وكل ما أخشاه يا سيدتي»
«خيانة من ناكر المعروف»
.. ومــــــا دمنـــا نتحــــدث عن الخـيانة التي يخـــــشاهـــا «الــــوزير الـــشاعر» مانــع سعــــيد العتـــيبة، والد سفير الإمارات في واشنطن، الذي هاجر إلى الدوحة، بحثا عن لقمة العيش، حيث الرخاء في قطر، وحيث قيم الإخاء تشمل جميع الأشقاء المهاجرين، ولا أقول «اللاجئين» المقيمين فيها، المتمتعين بخيرها والمتزودين بخيراتها، لا بد أن أدلي بدلوي بعدما انكشــــــفت تســــريبات نـــجله، وكشـــــفت لنا عن رسائل مخجلة، ودسائس مؤلمة, ومؤامرات محزنة، تدفعني للقول تعليقاً على «خيانة ناكر المعروف»:
الأوفياء في هذا الزمن يا معالي الوزير، يا والد السفير كالجن، كالأشباح، كالطيوف!
.. والمؤسف أن سفير الإمارات في واشنطن صار «يبصق في الطبق القطري» الذي كان والده يأكل منه، وهو «الماعون» الذي ساهم في تغذيتــــــه خـــلال سنــــواته الأولى أيام «القحط»، التي دفعت أسرته للهجرة إلى قطر، لتنفتح لمعالي الوزير أبواب المدارس القطرية، ليدرس فيها، وينهل العلم منها.
.. ولعل ما يزيد من حرارة بل مرارة الأسف أنه من خلال رسائل السفير الإماراتي «الإلكترونية» التي وجهها إلى حلفــــائه في واشنــــطن، بعدما قام بشـــــرائهم بالمال الســـــياسي، لم يجد «سعــــادته» شيئاً يستحق الإشادة في قطر!
لدرجة أن كل ما يرتبط بالشأن القطري أراد تشويهه وعمل على تحطيمه، من خلال إجراء «الحفريات» لهدم الأساسات التي قام عليها، مثلما تواصل إسرائيل حفرياتها غير المشروعة في القدس المحتلة، بحثا عن «هيكل سليمان» المزعوم!
.. ومن الواضح أن سفير الإمارات في واشنطن سعى حثيثاً إلى «هدم الهيكل» الذي ترتكز عليه العلاقات الأميركية ــ القطرية، متناسياً أن «الهيكل التعليمي» الذي ارتكزت عليه ثقافة والده الدكتور مانع سعيد العتيبة، وساهمت في محو أميته تمت صناعته في قطر.
.. ومن خلال ما يسمى مؤسسة «الدفاع عن الديمقراطيات»، التي تسعى لتعزيز العلاقات بين مراكز صناعة القرار في واشنطن، والقوى السياسية اليمينية في إسرائيل، رمى سفير الإمارات بكل ثقله، متجهاً إلى أقصى اليمين المتطرف، لوضع علاقات الولايات المتحدة مع قطر على طاولة النقاش المثير للجدل، من خلال «رمسته التحريضية» ضد كل ما يتعلق بالمصالح القطرية.
.. ووفقاً لتسريبات سفير الإمارات في واشنطن فإن الوثائق التي تم سحبها من موقعه الإلكتروني تكشف كيف تم استخدام ملايين الدولارات لتشويه سمعة قطر دون أي مبرر.
.. وكشفت تلك الوثائق والمراســـــلات المتــبادلة بين «سعادة السفير» ووزير الدفاع الأميركي الأسبق «روبرت غيتس»، الذي تولى هذا المنصب بعد استقالة سلفه «دونــــالد رامسفيـــلد»، وهــــو الوزير الثانــــي والعشـــرون في ســـلســــلة الــــوزراء الذين شغــــلوا هـــــذا المــــوقــــع القيـــــادي، كــــيف تـــــم تحريض الوزير الأميركي الأسبق ليقود حملات الهجوم المبرمج ضد قطر.
.. وبعيداً عن «الهمهمات» أقولها بكل صراحة، إن «مستر روبرت» صار «مطية» من «المطايا»، التي يتم توجيهها وقيادتها من خلال «الراكب الآلي»، وهو الجهاز الذي يتم تثبيته على ظهر الجمل، ويسمح لصاحبه بتوجيه الأوامر الإلكترونية، والسيطرة على سرعة «المطيــــــة» وضـــبط حركتها باتجاه خط النهـاية لتفوز بـ «الناموس».
.. وهذا ما لمســـناه في تحركات وزير الدفاع الأميركــي الأسبـــق غيتـــــس الذي كان يسعى للفوز بالجائزة الكبرى، وكأنه يشارك في سباق من سباقات «الهجن» في منطقة «الوثبة» في أبوظبي، والذي يضم نخبة «المطايا» في المنطقة!
.. وعلى هذا الأساس يمكن تفسير الحملات العدائية ولا أقول الدعائية التي قادها «الوزير المطية» المدعو «روبرت غيتس» ضد قطر، في مختلف الأوساط الأميركية، حيث تلقى الكثير من «الحلوى» و«الرهش» للتأثير على مراكز صناعة القرار، وتوجيه جماعات الضغــــط لتقـــسو على الدوحة، في حملات متواصلة يمكن وصفها بأنها استهلكت موازنات ضخمة، أكبر بل أكثر من الإنتاج «الهوليوودي» الضخم لأفلام الخيال العلمي، بهدف تغيير التوازنات في المنطقة، دون أي منطق.
لقد تم استخدام وزير الدفاع الأميركي الأسبق كرأس حربة للهجوم على قطر، انطلاقاً من العديد من المنصات الأميركية، وكان آخرها هجومه عليها خلال ندوة نظمتها الشهر الماضي ما تسمى منظمة «الدفاع عن الديمقراطيات» التي ترتبط بعلاقات وثيقة مع إسرائيل.
.. وخلال تلك الندوة, واصل وزير الدفاع الأميركي الأسبق الذي تولى مسؤولياته خلال الفترة من الثامن عشر من ديسمبر 2006، حتى الأول من يوليو 2011 تحريضه المنظم ضد قطر، محاولاً التأثير سلبياً على علاقاتها مع واشنطن, عبر توجيه انتقادات لاذعة لسياساتها في المنطقة.
.. وعندما تعرف الأســـــباب تتلاشـــى علامــــات الاستغراب، خصوصاً عندما نتوقف عند عبارة «أذقهم الجحيــم» التي تلقـــاهـــــا الوزير الأميـــركــي من بـــريـــد السفـــير الإماراتي، كإشارة على انطلاق الهجوم على قطر, ليذيقها جحيم العذاب!
.. ولأننا تجاوزنا مرحلة العتاب, ودخلنا مرحلة الحساب، لا أريد أن أوجه عتاباً إلى «السفير العتيبة»، ولكن عندما يتعرض بريده إلى اختراق الكتروني, فإن هذا يعني العثور على «الصندوق الأسود» لصاحبه، الذي كشف لنا مضمون مراسلاته، ونوعية اتصالاته وطبيعة صلاته المشبوهة مع الآخرين.
.. وهو بذلك يشبه طائرة كانت تحلق في سماء واشنطن، قبل أن تهوى سريعاً لتتحطم على أرض الواقع، وبعد العثور على «صندوقها الأسود» تنكشف الخسائر الفاضحة ولا أقول الفادحة!
.. وبعد «الانفجار المدوي» لهذه الفضيحة لم تكن الفنانة الإماراتية الراحلة «موزة سعيد» تعلم أن أغنيتها الشهيرة عن «البريد» وموزع الرسائل البريدية، ستصبح عنواناً مناسباً لهذه القضية المثيرة!
.. ويحسب لصاحبة الأغنيــــــة الشهيـــرة أنها أدركت قبــــل أكثــــر من نصف قرن من الزمـــــان قيمة الرسائل البريدية، فأعطتها حقها من التقدير، لدرجة أنها غنت «لموزعها البريدي»، حيث كان البريد يعتــــبر وسيلة التواصل الأكــــــثر أهمية «أيام لول»، التي لا يمكن لأحد من الجيـــل القديم أو «الزمن العتيق» الاستغناء عنها.
.. وكان «صندوق البريد» يمثل قيمة حضارية، ووجاهة اجتماعية لصاحبه، ومن لا يملك صندوقاً بريدياً لا يمكنه انجاز مراسلاته الخارجية، لدرجة ظهور مهنة مرتبطة بهذه الوسيلة اسمها «الكراني» الذي كان يتواجد في الأسواق، ويقوم بكتابة الرسائل البريدية لمن لا يعرف الكتابة!
.. وما من شك في أن أداء المطربة الإماراتية الراحلة موزة سعيد ــ رحمها الله ــ في تلك الأغنية كان رائعاً، ومن خلال كلمات أغنيتها تتضح أهمية البريد في الثقافة الخليجية والعربية سواء كان بريداً تقليدياً أو إلكترونياً.
.. وعندما يتعرض «البريد» إلى اختراق كذلك الذي وقع لسفير الإمارات في واشنطن، فهذا يعيد الحديث عن أكبر عملية قرصـــنة الكترونية تعرض لها الفـــــضاء الافـــتراضي، باستــــخدام فيــــروس «أريد البكاء» مما يؤشر إلى انتشار البرمجيات الخبيثة.
.. وبعد اختراق بريد «السفير الشقيق» المعتمد في الولايات المتحدة، وانكشاف أسراره الفاضحة، فإنني «أريد البكاء»، ليس تألماً من حجم المؤامرة التي دبرها وأدارها «الشقيق الخليجي» ضد شقيقه القطري، ولكن الدمــــــوع تنــــساب من عيـــني تأثــراً من أبيات قصـــــيدة والده الـــــشاعر الوزير الــــسابق معالي مانع سعيد العتيبة، التي تفيض بالشجن، وتحرك أمواج الحزن في نفس من يسمعها، حيث يقول فيها:
أأنكر دمع عيني إن تداعا
وأصطنع ابتساماتي اصطناعا؟
لجأت إلى التجلد غير أني
وجدت الصبر قد ولى وضاعا
وتمتمت الشفاه ولست أدري
أقلت إلى اللقاء أم الوداعا
ولم أنطق ففوق فمي جبال
من الآهات تسكنه التياعا
رأيت الليل يملؤني ظلاماً
فلم يترك لتعزيتي تباعا
وصبت مقلتاي الدمع حتى
غدا كالسيل دفقاً واندفاعا
وقلت بحرقة لا جف دمعي
ولا شهد انحباساً وانقطاعا
إلى أن يجمع الرحمن شملاً
لنا فنعيد وصلا واجتماعا
ولست بمنكر يا خل دمعي
وفوق الوجه لن أضع القناعا.

بقلم : أحمد علي

أحمد علي