كتاب وأراء

بتشوف يا «الجبير» !

بتشوف يا «الجبير» !

لمن سألني من الإخوة العرب عن معنى كلمة «الهياط» التي تصدّرت عنوان مقالي أمس.. ورغم أني حاولت الشرح لهم نظريا.. لكن الرد العملي جاء اليوم على لسان الوزير الذي كان يحظى بتقدير كبير لدى القطريين والمحايدين المنصفين.. عندما كرر سقطاته الإعلامية وهو يتحدث في المؤتمرات الصحفية أو القنوات الفضائية.. تارة «يتأتئ» وتارة «يتهم».. وأخرى يتوعد ويستعرض.. وأمس يشمت أو ربما «يستظرف».. لكن الأكيد أنه أحرج السياسة السعودية بتناقضاته وارتباكاته التي كثرت في الفترة الأخيرة.. وأخرجها من سياقها الرصين ومدرستها الحكيمة التي أسسها الأمير سعود الفيصل، رحمه الله.
عادل الجبير وزير الخارجية في المملكة العربية السعودية أحرج نفسه قبل أن يصدم المجتمع الخليجي، بمستوى حديثه عن الأزمة المفتعلة والتي قال عنها، إن مركز الملك سلمان للإغاثة مستعد لإرسال الأغذية والأدوية للشعب القطري!!
الإحراج هنا في تناقضه خلال دقائق إذ قال قبلها إنهم لم يفرضوا الحصار على قطر.. وفي نفس الوقت أكد أنهم مستعدون للإغاثة، مما كشف للجمهور ضعف حجته وإقناعه أو أنه «لم يذاكر» جيدا في ورقة المقاطعة وأسبابها.. وكأنه «مسيّر« أو «مغيّب»!
أما «الصادم» في مضمون الكلام.. أن الجميع يعلم ما هي قطر وما هو اقتصادها ودخلها وعلاقاتها وتأثيرها.. والكل يدرك قدرتها على مواجهة الأزمة إذ سبق أن أعدت استراتيجيتها قبل سنوات لمواجهة مثل هذه الظروف مما يجعلها قادرة على التحدي لـ «100» سنة مقبلة بفضل الله أولا ثم ما تمتلكه من مصادر دخل متنوعة، وقبل ذلك شعب قوي ومتماسك.. في الوقت الذي غيرها احتفلت بمرور (100) سنة على تأسيسها وما زالت البطالة والأمية والفقر تمشط شمالها وجنوبها.
عزيزي الجبير.. قطر ليست مثل «مجموعة الجزر» التي عملت «ريتويت» لقراراتكم وبياناتكم، ولا هي مثل «القرى والهجر» التي تكتظ بها محافظاتكم، وتفتقر للخدمات والإمكانات، حتى تهتز بسهولة وتحتاج شفقة منك أو من غيرك!
وإذا كان لديكم فائض من الإغاثة والإعانة فنتمنى أن تصبوها في الداخل حتى يختفي الفقر والبطالة والأسر المحتاجة.. التي وصل صوتها وصورتها للعالم، ولسنا بصدد التعرض لهم لا سمح الله أو التشهير بهم، ولكن يكفي أن تأخذ جولة سريعة في حساب الفنان السعودي فايز المالكي، لترى الحالات والحاجات ونأمل أن توجه حينها مركز الإغاثة بمساعدتهم ومن مثلهم على نظام «حافز» أو حتى المتضررين من عيون «ساهر»!
وحكومتنا قد أوصتنا - ووصاتنا معنا - بأن لا ننزلق كمواطنين في الرد على الإساءات أو الاستفزازات، التي تصدر من «أطراف الأزمة» مهما بلغت.. لذلك نترفع عن كثير من الأمور، ولو أردنا ولو من باب الاجتهاد الصحفي أن نرصد حالات لديهم أو مخالفات ضدهم.. فسنحتاج لإصدار ملاحق متخصصة لنشر ما تضمه ملفات حقوق الإنسان والعفو الدولية وغيرها.. دون أن ندخل في مسألة «التحريض» التي يجيدها أحد الجيران ويسخر لها المال السياسي بهدف الإضرار والفتنة بين الاخوان!
قلت في بداية المقال، إن الجبير يتوعد ويستعرض دون أن يتحقق شيء على الأرض ونذكر هنا على سبيل المثال لا الحصر، عندما سأله صحفي من قناة الحرة عن رد فعل بلاده على الغارات الروسية في سوريا فقال: إذا لم يقبل نظام الأسد بالحل السياسي فإن «الحل العسكري» قادم.. فقال الصحفي: من سيقوم بالعمل العسكري؟ فرد الجبير.. وبكلمة واحدة، فيها نبرة التحدي والثقة: «بتشوف»!! ومنذ ذلك التاريخ في أكتوبر 2015 وحتى الآن.. «ما شفنا.. ولا حتى سمعنا»! وحتى تستقيم العبارة «شفنا وعفنا».. أي شاهدنا منهم التحول الغريب العجيب.. والسريع، ليغيروا بوصلتهم من سوريا واليمن.. باتجاه قطر! لم يكتفوا بحروب الشمال والجنوب، وأشعلوا حربا إعلامية جاهلية مبنية على باطل في وسط المنطقة. والجبير مثال حقيقي لهذا التحول المفاجئ، الذي لم يثبت حتى الآن بأي دليل.. فهو في تاريخ 16/5/2017، أي قبل القرصنة والهجمة الإعلامية كان يتجول في هذه الدولة الراعية للإرهاب في نظرهم.. معجباً بمتحفها الإسلامي.. محاضراً في قاعتها الدبلوماسية.. بكل أريحية، ملتقيا بسفرائنا في الخارج باجتماعهم الذي تقيمه الخارجية كتقليد سنوي، يمكن أن يسمى بــ «اليوم الدبلوماسي».
وحتى هذا التاريخ القريب، لم يكن الجبير ينطق حول حماس أو غيرها ولم يبد قلقاً ما.. بل على النقيض كان يشيد بالعلاقات، وتشهد بذلك الزيارات وفجأة «انقلب رأسا على عقب».. دون تمهيد أو مقدمات..!
وإذا كان الجبير عنده نية أن يغير من أسلوبه الهادئ المتعارف عليه، ويفكّر أن «يحمّر عيونه» أو يرفع من سخونة تصريحاته.. فنطلب منه أن يوجهها باتجاه طهران، التي أعلنت الولايات المتحدة تورطها في محاولة اغتياله عندما كان سفيرا لبلاده في واشنطن عام (2011).. كما لا نطلب منه عطفاً أو شفقة إذا كان جادا في حديثه.. أما إذا كان «يمزح» وقالها من باب «المداعبة» بحثا عن دور كوميدي يلطف به أجواء الأزمة.. فهذا الدور من اختصاص «الممثلين» في المسارح والتليفزيون.
أما أنت فـ «ممثل» لبلادك في السياسة، وكل كلمة محسوبة عليك.. ومردودة إليك!
لذلك يجب أن تتحرى الدقة في تصريحاتك وتلميحاتك، حتى لا تقع في المحظور والتناقض المكشوف، مثل حديثك عن المقاطعة والحصار واللذين بالمناسبة لم تطبقوهما، أنتم ولا أتباعكم على إيران أو النظام السوري، فطائراتهم تسرح وتمرح في أجوائكم وتربض في مطاراتكم .. وبضائعهم تحتل أسواق حلفائكم!
فيما الصحافة والإعلام والإذاعة والتليفزيون تحتفل بتصريحاتكم!
كما لا يفوتني أن استدعي تغريدة كتبتها أناملك، وغردت بها عصافيرك في سماء تويتر ذات يوم من شهر ديسمبر من عام 2015 وقلت فيها:«نتطلع لبناء أفضل العلاقات مع إيران، بوصفها دولة إسلامية وجارة وذات تاريخ وحضارة».
لكن اليوم صفة الإرهاب جاهزة لتعليقها على كل من يكون له وجهة نظر مستقلة، وهي تهمة تلقى رواجا لدى الغرب، لكنهم وبحكم عمق تجربتهم لا يكترثون بهذا الكلام طالما لم يقرن به الدليل، وحتى حماس التي تدافع عن أرض محتلة، وليس لها نشاط داخل أي دولة عربية ولم يذكر أنها زعزعت استقراراً أو عملت تفجيرآ أو أزعجت نظاماً.. هي الأخرى متهمة بـ «الإرهاب».. لكن لم يكملوا الجملة حتى يفهم الجميع.. إرهابها على من؟! وهل هي في حالة حرب أم سلم؟
وفي الختام.. نؤكد ونجدد ونشدد على احترامنا البالغ للرموز والشعوب في دول المقاطعة.. ومهما وصلنا من إساءات أو بذاءات من وسائل إعلام أو جمهور موتور، أو حتى استفزاز سياسي، فإننا لن نرد بالمثل، وسنوضح إن لزم الأمر، في حدود الأدب والذوق والأخلاق الفطرية.. والقطرية.
بقلم:محمد حمد المري
رئيس التحرير المسؤول

محمد المري