كتاب وأراء

عقلانية السياسة القطرية

منذ أن اتخذت الدول الثلاث إجراءاتها العدوانية وغير المبررة ضد دولة قطر، تميزت السياسة القطرية بنوع من الحصافة والذكاء في معالجة الأوضاع بعيدا عن منطق ردود الأفعال غير المدروسة أو التسرع غير المحسوب العواقب. فإذا كان الحلف الإماراتي- السعودي قد سعى إلى تحشيد المواقف من خلال الضغط على بعض الدول الإفريقية والاستفادة من علاقتها مع بعض الأنظمة المتهاوية مثل النظام المصري وصولا إلى تسخير بعض الميليشيات التي لا ترقى إلى مرتبة التنظيم السياسي مثلما هو الحال مع المجموعات المسلحة التي يقودها خليفة حفتر في ليبيا. فإن المواقف القطرية ابتعدت عن ممارسة السياسة بمنطق المناكفة أو المكايدة كما يفعل خصومها فلم تحصل ردود أفعال ضد الجاليات العاملة بقطر والتي تحمل جنسيات بعض الدول التي أبدت مواقف دبلوماسية معادية لقطر. بل وظلت قطر في علاقتها مع باقي مواطني الشعوب الخليجية لا تحاسب الشعوب على ما اقترفت أيدي حكامها وهذا من قبيل الحكمة السياسية والقدرة على التمييز بين خلاف سياسي سيزول حتما في لحظة تاريخية ما وبين خلق العداوات والفتن بين الشعوب وهي علاقات باقية ودائمة.
من جهة أخرى تجلى ذكاء الدبلوماسية القطرية في تعاملها مع مخلفات الأزمة على المستوى الدولي، فهي لم تعمد إلى التصعيد اللفظي أو اتخاذ مواقف متشددة ضد باقي الفرقاء خلافا للتصريحات المتشنجة التي أدلى بها مسؤولو الخارجية في الدول المناوئة لها والتي انطلقت بتصعيد إعلامي عنيف يقوم على الافتراء والتشويه وإطلاق تصريحات سياسية غير محسوبة العواقب ترافق المواقف السياسية الصبيانية التي تخلو من الحكمة والحصافة.
إن الممارسة السياسية الذكية تفترض من صاحب القرار أن يكون واعيا بنتائج فعله متحسبا للحظة الموالية وللمفاجآت الطارئة التي يمكن أن تظهر في المشهد وهذا ما يبدو أن الأطراف الأخرى لم تكن تتحسب له. فقد جعلت حساباتها جميعا مرهونة برد فعل قطري تسارع من خلاله إلى التنازل عن استقلاليتها وحقها في إدارة شأنها الوطني لمصلحة قوى خارجية غير مسؤولة، وبما أن الضغط السياسي والتحشيد الدبلوماسي والتشويه الإعلامي قد فشل في إخضاع قطر وإرهابها فقد وجد التحالف الإماراتي- السعودي نفسه في عنق الزجاجة.
فالأيام التي أعقبت اتخاذ قرارات الحصار الجائر المتسرعة كشفت عن فشل ذريع يلاحق أصحابها وغياب القدرة عن إقناع الرأي العام العربي الشعبي وصانعي السياسة الدولية بصوابية قراراتهم وهو أمر تجلى في المواقف التي أعلنتها دول كبرى وفاعلة مثل فرنسا وألمانيا وبريطانيا من جهة رفضها لحصار دولة قطر. وحتى الارتباك الواضح في سلوك الإدارة الأميركية فقد كشفت التصريحات المتباينة عن مدى حرص النظام الرسمي الأميركي على المحافظة على العلاقة الوثيقة مع قطر بعيدا عن منطق التصريحات الموجهة للاستهلاك الإعلامي. ومن خلال القدرة التي أثبتتها السياسة القطرية على امتصاص آثار القرارات التي اتخذتها بعض الدول المجاورة أثبتت في ذات الوقت مدى قوة الدولة القطرية وتجانس سياساتها الخارجية وتماسك مواقفها على المستويين الشعبي والرسمي وهو ما مكّنها من الانتقال من مرحلة رد الفعل الأولي على القرارات المتسرعة وغير المسؤولة التي اتخذتها السعودية والإمارات إلى مرحلة إعادة ترتيب المشهد الإقليمي والدولي وتوضيح موقفها بشكل لا لبس فيه في مجال السياسة الخارجية والاستفادة من شبكة علاقاتها الدبلوماسية الواسعة والتعاطف الشعبي الكبير في الخليج وفي المنطقة العربية لحشر خصومها في الزاوية وكشف خلفية النزاع المفتعل والقرارات الجائرة التي تفتقر لأدنى مبرر سياسي.
وإجمالا يمكن القول إن السياسة الرسمية القطرية ودبلوماسيتها النشيطة كشفت عن ذكاء وحصافة في التعامل مع التطورات وحرصا لافتا على الحفاظ على المصالح الخليجية المشتركة بعيدا عن رغبات البعض الذي يسعى إلى الهيمنة وفرض تصوراته الخاصة والقاصرة على المنطقة وهو في النهاية لا يخدم إلا الأجندات المعادية لمصالح دول الخليج خصوصا ومصالح الشعوب العربية عامة.

بقلم : سمير حمدي

سمير حمدي