كتاب وأراء

التعاطف الشعبي مع قطر

منذ اندلاع الأزمة الخليجية، كان من الواضح أن ما عمدت إليه بعض الدول من قرارات جائرة بحق قطر تعبر عن حالة استهداف غير مبررة لهذه الدولة ذات السياسات العقلانية. وربما كان الشارع العربي هو الأكثر تفطنا وانتباها لهذه الحقيقة حيث تكشف مواقع التواصل الاجتماعي عن مدى تعاطف الجمهور العربي الواسع مع قطر وعدم تفهمه للمطالب التي ترفعها الدول المناوئة لها.
حيث لم يكن من الطبيعي أن تتأزم العلاقات بين دول شقيقة إلى حد الحصار غير المفهوم ثم تأتي قائمة المطالب التي قدمتها هذه الدول لتكشف عن أمرين: أولهما رغبة واضحة في الهيمنة على القرار الوطني لقطر وإخضاعها لنوع من التبعية المقيتة التي لا يقبلها عاقل.
ومن ناحية ثانية كانت المطالب تعبر عن الطبيعة الاستبدادية لأصحابها وانخراطهم في أجندات معادية لتطلعات الشعوب العربية. وإلا فما معنى أن تتضمن القائمة طلبا بإغلاق شبكة الجزيرة بقنواتها المختلفة وهي مجرد جهاز إعلامي كان بإمكانهم مواجهته عبر أدوات مماثلة لولا يقينهم أن قنواتهم وشبكاتهم الإخبارية التي أسسوها فشلت في كسب ثقة الشارع العربي.
فقد كانت هزيلة من حيث المحتوى رغم الأموال الضخمة التي أُنفقت عليها حيث لم يكن المظهر البرّاق كافيا لوحده لمنح المصداقية المفقودة لقنوات إنما هي في الواقع تعيد ترديد المواقف الرسمية لدولها بل وتنخرط في حملات إعلامية غير مقبولة، وتقدم نشرات إخبارية طابعها الرداءة وغايتها التلاعب بالعقول. وبعد الفشل في المنافسة على الساحة الإعلامية جاءت المطالبة بإغلاق القناة لتتوّج حالة العجز عن المواجهة في ساحة الحقيقة لتعبر علنا عن الرغبة في إغلاق قناة شكلت دوما صوت الشعوب وأرقا دائما لأنظمة الاستبداد ولدولة الاحتلال، فاستهداف الجزيرة هو في النهاية استهداف للحرية بأشكالها المتعددة أعني حرية التعبير وحرية الإعلام وحق الإنسان العربي في أن يعرف.
ومن جهة أخرى كانت المطالبة بإغلاق الجمعيات الخيرية القطرية تعبيرا عن محاصرة المواطن العربي الذي يستفيد من خدمات هذه الجمعيات، وهو بالتالي استهداف فعلي للشارع العربي في جانبين مهمين أولهما تضييق هامش الحرية ومحاولة تكميم الأفواه، ومن جهة أخرى تضييق دائرة التضامن العربي على المستوى الشعبي وجعل أفق التعاون العربي منحصرا في دعم الأنظمة الاستبدادية.
فإذا كانت خيارات قطر حكومة وشعبا تقوم على مساعدة أشقائها العرب بغض النظر عمن في الحكم فإن الأنظمة المناوئة لها تجعل من مساعداتها وسيلة لابتزاز المواقف والضغط على الحكومات من اجل إخضاعها وربما هذا ما يفسر الضغوط التي تعرضت لها دول المغرب العربي التي رفضت الخضوع للابتزاز وقطع علاقاتها مع قطر.
أما من الناحية الشعبية فلا تحظى الدول المناوئة لقطر بسمعة طيبة لدى الشعوب العربية، وخاصة لدى الشعب التونسي على سبيل المثال، حيث لم تقدم هذه الدول أدنى مساعدة لتونس في انتقالها الديمقراطي.
بل وكانت في مواقفها داعمة لنظام المخلوع بن علي وهو ما تجلى في تعاملها مع الثورة التونسية منذ اندلاع شراراتها الأولى ووصولا إلى إسقاط رأس النظام في 14 يناير 2011. ولكل هذه الأسباب نفهم لماذا رفع الجمهور الرياضي الغفير في مقابلة نهائي كأس تونس شعارا مؤيدا لقطر كان يتضمن تكثيفا معبرا لتوجهات الشعب التونسي وميولاته، فتلك اللافتة التي تضمنت الجملة التالية: «كرهناكم يا حكام تحاصرون قطر وتتركون إسرائيل في سلام». كانت بالفعل تعبيرا عن عمق الوجدان الشعبي التونسي المؤيد في غالبيته العظمى لقطر.
وبعيدا عن سياسة الحياد الايجابي التي انتهجتها الحكومة التونسية فقد كان الشعب التونسي واضحا في إعلانه مساندة دولة قطر حكومة وشعبا واستطاع الوجدان الشعبي أن يربط بعفوية ووضوح بين استهداف قطر وبين مواقفها المؤيدة للقضية الفلسطينية.
لقد كشف قرار الحصار الجائر عن انحياز الشعوب إلى دولة قطر حكومة وشعبا مقابل القرار الرسمي لبعض الأنظمة المنغلقة والتي ترغب في إسكات صوت الحقيقة ومحاصرة التوجهات القطرية المساندة لحقوق الشعوب.

بقلم : سمير حمدي

سمير حمدي