كتاب وأراء

«قراقوش» يظهر في أزمة حصار قطر

«قراقوش» يظهر في أزمة حصار قطر

لم يكن رمضان الذي طوى أيامه قبل يومين، كسائر «الرمضانات» التي عرفناها على مدى تاريخنا، فرغم أن هذا الشهر الكريم يشتهر بأنه حاضنة الانتصارات الإسلامية والعربية، بدءاً من «انتصار بدر», مروراً بفتح مكة، وعين جالوت، وفتح القسطنطينية، وصولاً إلى انتصار العاشر من رمضان، في السادس من اكتوبر عام 1973.
.. أقول رغم كل هذه المحطات التاريخية الفاصلة، التي تعكس في مجملها انتصار الخير على الشر، فقــد سعت إرادة الأشـــرار في المنطــقـة، لتحويل أيام وليالي شـهـر رمضـــان المنصــرم إلى منصة للإضرار بدولتنا قطر، دون مراعاة أنه شهر العبادات والصلوات والبركات!
.. والمؤسف أنه من رحم الليالي الرمضانية، ولدت «أم الأزمات»، على يد فاعليها ومفتعليها، وسرعان ما تحولت إلى «مسلسل رمضاني» سجل أعلى نسبة متابعة من كل المسلسلات الرمضانية، وما زال المراقبون والمحللون المتابعون يتابعون أحداثه ويتأملون تطوراته الدراماتيكية، الفائقة في غموضها عن أفلام «هيتشكوك»!
.. ووسط تلك «الدراما السياسية» التي لا حدود لها، ظهرت على سطح الأحداث شخصية «قراقوش»، ولا أقصد بذلك الأخ الدكتور أنور قرقاش وزير الدولة للشؤون الخارجية بدولــة الإمــارات، ولا أقول «المــؤامـرات» العربية المتحدة، ولكن أعني «والــي عـكــا» أيام الحقبة الأيوبية، الذي اشتهر بأحكامه العجيبة، ومواقفه الغريبة!
.. وهذا ما نراه ماثلاً في قائمة «المطالب القراقوشية» المسربة لدول «التحالف الرباعي» ضد قطر، التي تتضمن (13) بنداً «قراقوشياً»، أبسط واحد منها ينتهك السيادة القطرية!
.. وما من شك في أن ما ورد في القائمة يمثل استخفافاً ما بعده استخفاف بمبدأ أصيل في العلاقات الدولية، وهو السيادة الوطنية، كما يمثل استهتاراً ما مثله استهتار بحق صميم من حقوق الإنسان، وهو الحرية، كما يمثل انتهاكاً لا مثيل له لمبدأ أساسي، بل سيادي، ترتكز عليه الشخصية القطرية، وهو الكرامة الشعبية!
.. ومن المؤكد أنه لا يوجــد قطــري واحد تنبض في عروقــه تلك الكرامة المتدفقة منذ أيام «قطري بن الفجاءة» يقبل بالتنازل عن سيادتنا الوطنية، باعتبارها حقا من حقوقنا السيادية، وهذا الحق غيرخاضع لتوجيهات أي دولة، أو توجهاتها أو اتجاهاتها.
.. ولا جدال في أن السيادة الوطنية هي مظلتنا الكبرى في قطر، وسنقوم بحمايتها، ولا معنى لأي خطـــوة من خطواتنا في الحـاضــر أو المسـتقـبـل، في الداخــل أو الخـــارج، إذا تعرضت سيادتنا للانتهاك، أو الانكار، وسندافع عنها بكل إصرار، سواء إذا حاول عدو متآمر المســــاس بها، أو سعى «تاجر في البازار» إلى مساومتنا عليها، وكأنها بضاعة رخيصة، أو سلعة بخيسة، تباع وتشترى في أي مجمع من المجمعات!
.. ومن الواضح أن بنود القائمة، التي لا أريد سردها، لأنها تسبب لقارئها التقيؤ، وتثير له الغثيان، تتضمن «شروط إذلال»، حيث تشكل في حقيقتها مقدمة لتدخل خارجي سافر في شؤوننا الداخلية، عدا كونها تمثل في مضمونها «إعلان احتلال» لدولتنا المستقلة!
.. ووسط ذلك الاختلال، يريد المتآمرون لهذا «البيت القطري» الشامخ أن ينهار، حتى تستفرد ضباعهم بفريستها، والاســـتئثار، - ولا أقول الاستثمار - ، بثروتنا الطبيعية في حقل «غاز الشمال»، والاستحواذ على مقدراتنا، من خلال تقاسم الوطن وثرواته ــ وما أكثرها ــ وإشباع جشعهم للسلطة والتسلط علينا.
لقد لوح «قرقاش» كثيراً في تصريحاته باستخدام ورقة «الطلاق»، وكأنه بهذا الأسلوب يعيد إحياء خبر انفصال «أنجلينا جولي» وزوجها «براد بيت»، من خلال استخدامه عبارة «افتراق الدروب»!
لكن ما يدعـــو إلى القـلـق حـقــاً، أنــه لم يحدد «مصير الأبناء»، الذين سـيكــونون ضحية قــرار الانفصــال المتعجل، وأقصد بهم مواطـني الدولتين الشقيقتين، اللتين تجمع بينهما أواصر الأخوة.
.. والمؤسف أن بعض «الأزواج» يضربون بعرض الحائط ما بينهم من «أبناء»، وبما كان بينهما من رحمة ومودة وعشرة وعشيرة واحدة، فنلاحظ أنهم يهددون في كل صغيرة وكبيرة باللجوء إلى «الطلاق»، بسبب تركيبتهم النفسية، التي تختلط فيها المشاعر الوسواسية والاستفزازية والهستيرية والعدوانية والاكتئابية، ولهذا نجدهم يتصرفون بلا نضج، مثل «الأطفال»، ويتأرجحون في مواقفهم بين الغيرة والحيرة!
.. وعلى العمــوم ما دام «قــرقــاش» اختــار «الطـلاق» ينبغـي عليــه ألا ينســى الالتــزام بواجباته المادية المترتبة عليه «لمطلقته»، لا سيما مؤخر صداقها ونفقتها ونفقة الأبناء!
كما ينبغي عليه عدم اصطناع أو تلفيق أي تهمة يستطيع من خلالها التملص من مسؤولياته، وإهدار حق «طليقته» في حضانة أبنائها أو إسقاط الحضانة بلا وجه حق!
.. وعلى أية حال فإن «الطلاق» الذي يتحدث عنه «قرقاش» يشبه تماماً موقفك من السكين، حيث يمكنك الاستفادة منها لتقطيع الفاكهة، التي يسمونها «الميوة» في الإمارات، أو استخدامها لقتل شقيقك، كما فعل قابيل مع هابيل، فأيهما تختار؟
.. ومــا من شــك في أن الخلل لا يكمن في الســكين التي تلوح بها في يدك، ولكن في عقلك الذي يسيء استخدامها، ومن المؤكد أن العيب ليس في «ورقة الطلاق» التي يهددنا بها وزيــر الدولــة للشـــؤون الخارجيـــة في الإمــارات، من خلال خطابه البعيد كل البعد عن مقومات الدبلوماسية، ولكن المشكلة في اللسان الذي يستخدمه الإنسان بلا وعي، مهدداً بالطلاق بين شقيقين وليس زوجين!
.. ويبدو واضحاً، من خلال القائمة الملعونة ــ ولا أقول الملغومة فحسب ــ ، التي يروج لها «قرقاش» أن أصحابها يحاولون دفعنا دفعاً للوقوع في مأزق وطني لا علاج له، والانزلاق في منزلق سياسي لا خروج منه!
.. وما من شك في أن قبول قائمة الشروط المطروحة على قطر يعني خضوعاً لأصحابها، وهذا أمر مرفوض قطرياً ووطنياً وشعبياً وجماهيرياً وخليجياً وعربياً وقومياً وإقليمياً ودوليا، وليس لأي جهة الحق أن تفرض شروطها أو طلباتها، أو توجيهاتها أو أوامرها على دولة أخرى مستقلة.
.. وينسى «قرقاش» أن مبدأ السيادة الوطنية يمثل حجر الزاوية في بنية القانون الدولي، بل هو المبدأ الأساسي في تكوين الدولة المستقلة، فلا استقلالية بدون السيادة، ولا سيادة بدون استقلال القرار الوطني.
.. وما من شك في أن الدول المستقلة متساوية قانوناً في حقوق السيادة، وليس هناك دولة سيادتها كاملة على أرضها، مقابل أخرى عندها «طشونة» فقط من السيادة، مهما كان الاختلاف بين الدولتين من ناحية المساحة الجغرافية، أو الكثافة السكانية، أو الموارد الطبيعية، حتى لو كان في الدولة الأولى «قراقوش»، وفي الأخرى «قرقاش» وفي الثالثة «قرنقوش»!
.. وفي العلاقات الدولية يمكن أن تكون أية خيارات سياسية مطروحة على طاولة النقاش من أجل التطوير، ولا أقول التغيير، إلا السيادة الوطنية، فلا نقاش مع الآخرين حولها، ولا حوار مع الغرباء بشأنها، ولا انتقاص منها، ولا انقضاض عليها، ولا تناقض فيها، لأنها مصانة ومحصنة بمواد القانون الدولي، ولا يرقى إليها جدل، أو وجل، مهما كان الأمر فيه «جلل».
.. ولأن أبرز دلالات السيادة الوطنية علم البلاد، باعتباره الراية الجامعة، التي ينطوي تحتها الوطن والمواطنون، أدعو كل مواطن قطري يقرأ مقالي إلى رفع علمنا «الأدعم»، ليرفرف خفاقاً فوق منزله، قبل انتهاء «مهلة الأيام العشرة»، تعبيراً عن رفضه قائمة «الدول الأربع»، القائمة على القوائم الأربع!
.. والمؤسف أن وزير الدولة للشؤون الخارجية في الإمارات يقوم بدور «حمالة الحطب»، من خلال تصريحاته «وتغريداته»، التي تساهم في إشعال النار في المنطقة، وكأنه بذلك يقوم بنقل الخشب، وتغذية «جهنم» بالحطب!
.. ويعــرف الجميع ــ وأولهــم قرقــاش ــ أن القـائمــة المــؤذيــة أو المؤديــة إلى التـنـازل عن سـيـادتنا الوطنية، تمثل انتهاكاً واضحاً لميثاق الأمم المتحدة، ومبادئ القانون الدولي، الذي يــؤكــد عـــلى ضــرورة احتـــرام الســيــادة الوطنيــة للدول، كما يعلم أيضاً، هــو وغيره، أن سـلطة دولـتـنـا المـسـتقـلـة داخل ترابها الوطني غيـر قابلــة للتفاوض، ولا تعلوها أي سلطة خارجية أخرى تتسلط عليها.
لقد أعطت الدول الأربع المتحالفة ضد قطر لنفسها الحق في ابتداع «شرعية رباعية» موازية وبديلة عن شرعية الأمم المتحدة، وهذا ما يظهر في البنود الواردة في قائمتها العجيبة، وخصوصاً البند المتعلق بمزاعم «مكافحة الإرهاب».
أما ما يتعلق بوجود القاعدة العسكرية التركية فهذه ليست بدعة، لأن هناك العديد من القواعد الأميركية والبريطانية والفرنسية الرابضة في دول الخليج الأخرى، الجاثمة على صدورها، بل إن بعض دول المنطقة تبدو بكل مساحتها الشاسعة وكأنها قاعدة عسكرية أجنبية كبرى من شرقها إلى غربها، ومن شمالها إلى جنوبها!
.. وحبذا لو أن «قرقاش» يحدثنا عن تفسيره «القرقاشي» لأسباب قيام «السنغال» بإرسال (2100) جندي من قواتها المسلحة إلى السعودية، أو مبررات وجود (1000) عسكري باكستاني في المملكة، طبقاً لاتفاقية مبرمة بين إسلام أباد والرياض، موقعة منذ عام 1980، تم بموجها نشر «لواء مدرع» من القوات الباكستانية لنحو عقد من الزمن، خدم فيه حوالي 40 ألف جندي!
أم أن كل هـذا الوجـــود العسكـــري الأجنبي الهــائــل في السعودية حلال عليها، أما تواجـد قــوات تركـيــة في قطـر فهو «رجس من عمل الشيطان فاجتنبوه»؟!
.. وما من شك في أن «القائمة الملعونة» تأتي في إطار محاولات «الدول الأربع» تفكيك إنجازاتنا القطرية، واستهداف مكتسباتنا الوطنية، التي حققناها بإرادتنا على مدى العقدين الماضيين.
كما تكشف قائمتهم ذات القوائم الأربع الرغــبة الكــامنة في نفــوسهم لإســكات الصوت العربي الحر، عبر إزالة «الجزيرة» من الفضــاء الإعلامي العالمي، باعتبارها واحدة من أبرز مظاهر الحضارة القطرية، وأهم معالم القوة الناعمة التي تملكها دولتنا المستقلة قطر.
.. ووسط كل سطر من سطور «القائمة المجنونة» تشم رائحة «نظام السيسي» تفوح بين بنودها، وخصوصاً البند المتعلق بدفع ما يسمونه «التعويضات» الموهومة، حيث يسعى «فخامة الرئيس» للحصول على «أكبر كمية من الرز»، خاصة أن الموجود في قطر من النوع «البسمتي» الفاخر «طويل التيلة»، أقصد طويل الحبة!
.. ولا جدال في أن تلك البنود التي وردت في «قائمة الرز» لا تختلف في غرابتها وعدم واقعيتها عما ورد في صفحات كتاب «الفاشوش في أحكام قراقوش»، الذي أصدره «الأسعد بن مماتي»، وهو أحد الذين عاصروا الوالي المقصود، الذي تصفه القصص الشعبية بأنه كان طاغية غشوماً، ووالياً ظلوماً، متجاهلاً كل عدالة، حتى أنه غدا مضرب الأمثال لكل عسف وجور وفجور!
.. ولهذا صار يعرف لدى غالبية الناس، مقترناً بأحكامه الغريبة، التي تناقلها الرواة، وأضافوا عليها بعضاً من النوادر المضحكة، التي نسبت لصاحبها، حتى أصبح بعضهم، حين يشهد تصرفاً غريباً، يطلق عليه «حكم قراقوش»!
.. وأستطيع أن أجزم ولا أزعم أن «قراقوش» عاد إلى الحياة نافضاً عن نفسه غبار التاريخ، ليطل برأسه في أزمة الحصار الجائر المفروض على قطر!
.. ومن المؤكد أن الذي قام بصياغة القائمة لا ينتمي إلى هذا العصر، وإنما يعيش في ذلك «الزمن القراقوشي»، خاصة أن بنودها القائمة على الأربع صيغت بأسلوب أرعن، وترتكز على منطق أعرج، وسلوك أهوج، مما يؤكد أن من كتبها مصاب بحالة مرضية يسمونها في علم النفس «جنون العظمة»، دون أن يعلم أنه سيصبح عظاماً، ولن يكون «عظيماً» عندما يتعرض بأي سوء إلى قطر.
.. ويخــطئ الأخ الدكتــور أنور قرقـاش وزير الدولة للشــؤون الخارجيـة بدولـة الإمــارات عندما يتعامل معنا وكأنه «وزير خارجية دولة عظمى»، حيث يريد إجبارنا على أن نطأطئ رؤوسنا له، ونقول له سمعاً وطاعة!
.. ولهذا نراه يطرح علينا «خريطة الطريق»، التي يحدد لنا من خلالها ما يجوز ولا يجوز أن نفعله، بخصوص سياستنا الخارجية والداخلية، وكأنه بذلك يملك «حق النقض الفيتو» الذي يقتصر استخدامه على الدول الخمس الدائمة العضوية في مجلس الأمن، في حين أن أقصى ما يملكه هو حق شرب الكمية التي يريدها من «شراب الفيمتو»!
.. والمؤسف أن «قرقاش» يتجاوز في خطابه الذي يوجهه إلى قطر آداب الخطاب الدبلوماسي الرشيد، حيث يدخل في حلقة التهديد، ويسرد في مسلسل الوعيد، وكأنه «سوبرمان» أو رجل من حديد، رغم أن «بيته من جريد»!
.. لدرجة أن وزير الخارجية الأميركي «ريكس تيلرسون» ـ وهو وزير دولة عظمى ــ طالب في تصريحاته مؤخراً بضرورة تخفيض سقف الخطاب السياسي للإسهام في تخفيف حدة التوتر، مؤكداً أن المطالب المطروحة من الصعب على قطر أن تنفذ معظمها، مشيراً أن الخطوة الإيجابية لحل الأزمة تتمثل في جلوس دول الجوار على طاولة الحوار، وهذا ما تطالب به الدوحة.
.. وأشار وزير «الدولة العظمى» إلى أن حلفاء الولايات المتحدة سيكونون أقوى عندما يعملون لتحقيق هدف محدد، يسعى الجميع إلى تحقيقه، وهو «وقف الإرهاب ومكافحة التطرف»، موضحاً أن كل دولة من الدول التي قاطعت قطر لديها ما تقدمه باتجاه تحقيق هذا الهدف.
والشــــيء نفســـه قاله زيغمار غابرييل وزيــر الخــارجـيـة الألمــانــي أمس الاثنين، حيث أشار إلى أن قائمة المطالب المقدمة من أربع دول عربية لقطر كشرط لإنهاء مقاطعة تفرضها على الدوحة استفزازية جداً وسيكون من الصعب تنفيذها بالكامل».
.. ولو عدنا إلى «تصريحات قرقاش الرعناء»، البعيدة كل البعد عن قواعد التعامل مع الأشقاء، نجد أنه يستحق من خلالها الفوز ــ بجدارة ــ بجائزة أسوأ وزير دولة للشؤون الخارجية في المنطقة، لمراهناته الخاسرة، وتدخلاته السافرة في شؤوننا الخارجية، وسعيه المتواصل إلى تدمير قواعد الدبلوماسية الاماراتية الرصينة، التي أرساها المؤسسون الأوائل، واجتهدوا في جعلها نموذجاً في الاعتدال وليس الاعتلال.
.. وينســـى «قـــرقـــاش» أن أشـهـــر وزيــر خــارجـيـة فــي تــــاريـخ الإمـــارات، الذي يوصف بأنه «أبو الدبلومـاســية الإمــاراتية»، وهـــو معالي السيد أحــمد بن خليـفة السويدي، كان من مخرجات قطر.
.. ولا أكشف سراً، عندما أقول إن «السويدي» تعلم «ألف باء» السياسة في المدرسة القطرية، حيث عاش في قطر، وكبر فيها، وأكمل تعليمه من خلالها، وسافر إلى العاصمة المصرية مبتعثاً على نفقتها، ليدرس في كلية الاقتصاد والعلوم السياسية في القاهرة، ويعود بعد تخرجه عام 1966 ليعمل في قطر.
.. وعندما بدأ المغفور له بمشيئة الله الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان ــ طيب الله ثراه ــ في إرساء قواعد الإدارة الحكومية في أواخر الستينيات من القرن الماضي في إمارة أبوظبي، وتنظيمها على أسس عصرية، جمع حوله مجموعة من الشباب المثقفين المتعلمين بنور «المعارف القطرية»، وكان من بينهم معالي أحمد بن خليفة السويدي، الذي أسندت له يومئذ رئاسة «ديوان الحاكم».
.. ولأنــه كـــان شـــاهــداً ــ وليس مــشـــاهــداً ـــ على اللحظــات التــاريخـيـة التــي سبقت قيام الدولــة الاتحادية الوليدة، فقد صدح صوته عبر الأثير، ليذيع البيان التاريخي الأهم في تاريخ دولة الإمارات العربية المتحدة، معلناً قيامها في الثاني من ديسمبر عام 1971.
.. وفي أول تشكيل وزاري على المستوى الاتحادي تولى «معالي السويدي» حقيبة وزارة الخارجية في دولة الإمارات، فأسس قواعدها، واختار كوادرها، وأولاها الرعاية لتقوم بأدوارها على الساحة الدولية.
.. وساهم معاليه بجدارة في رسم وتنفيذ السياسة الخارجية الحكيمة، التي ميزت دولة الإمارات في ذلك الحين، من خلال تغليـب الحكمة وروح التعاون مع الأشـقاء، وليس التــآمــر على الإخوة والأصدقاء!
.. ومن العيب ــ كل العيب ــ أن يخرج وزيــر الدولــة للشــؤون الخــارجيــة في دولة الإمارات ليهاجم قطر من مكتبه في الوزارة، ناسياً أو متناسياً أن الذي وضع حجر الأساس لقيام وزارته في أبوظبي، كان مواطناً قطري الهوى، إماراتي الهوية.
.. وما من شك في أن معالي أحمد بن خليفة السويدي تاريخ مشرف في الدبلوماسية الخليجية والعربية، وينبغي على صغار الدبلوماسيين، أو «المراهقين» العاملين في الخارجية الإماراتية، أن يتعلموا من مدرسته، ويعرفوا أن مسيرته الناجحة في الإمارات ما كان لها أن تنجح لولا الدعم الذي تلقاه في قطر، الداعمة ــ كعادتها ــ لكل الأشقاء في المنطقة.
.. ولا جدال في أن السمعة الطيبة التي حظيت بها الدبلوماسية الإماراتية آنذاك، كانت ترجع لمؤسسها ووزير خارجيتها «السويدي»، الذي كان حبه واحترامه لحاضنته قطر بلا حدود، وكان وما زال وسيظل مغرماً بها، وبشعبها، وناسها ورموزها وقادتها.
.. ولـــن أقـــول، يا أخــي الدكتــور أنـور قـرقـاش، أين أنت من «دبلـومـاسـيـة الســويـدي الحكيمة»، بل أين أنتم من مدرسته، وسياسته المتزنة المتوازنة الوازنة الموزونة في ميزان الحكمة، بعيداً عن التحكم في شؤون الآخرين؟
.. وفي سياق الحكمة التي أضاعها «قرقاش» في تصريحاته غير الحكيمة، لا أجد ما أختم به مقالي سوى استرجاع أبيات من شعر شاعرة الإمارات الأولى، شقيقة «أبو الدبلوماسية الإماراتية»، الشاعرة عوشة بنت خليفة السويدي، رائدة القصيدة الشعبية، التي عاشت في قطر أيضاً، أكثر من 15 عاماً، بعد انتقال عائلتهم العريقة إلى الدوحة في أواخر الأربعينيات من القرن الماضي.
.. وتقول الشاعرة الكبيرة التي تعكس في قصائدها جودة أشعارها, وصدق شعورها وتلقائية مشاعرها:
ما حد شرواية حمولي
للهم وأسباب البلايا
لاسع سريج الويج يولي
في مهجتي وأضنى بحشايا
.. وكــأنهـــا بهـــذه الأبـيـات تحكي قصـة قـطـر، وتتحدث بلـســان قــطــر حديثاً معناه بالعربيـــة الفصـحـى، أنه لا أحد مثلي يتحـمل الهـم والبلاء والابتلاء بغدر الأحبــاء، الذي جعل جمرة الحزن لاسعة في داخلي، كالحريق المشتعل داخل الأحشاء!
بقلم : أحمد علي

أحمد علي