كتاب وأراء

كوجا .. مرحبا !

كوجا .. مرحبا !

كما توقعنا سابقا.. أن العبء يتزايد على دول الحصار والضغط الدولي المستنكر لتصرفاتهم بدأ يحاصرهم وينزع عنهم رداء الدبلوماسية والأدوات السياسية، وظهروا بمستوى مشابه لما يحدث في الدول الفاشلة التي تتميز بالتهور والعنف مضافا لهما الكثير من المراهقة، متناسين أن اللعبة السياسية تحتاج إلى المخ قبل العضلات.. وإلى الإقناع أكثر من المهاترات.
وبعد أن صبرت الإدارة الأميركية والدول الأوروبية على مغامراتهم غير المحسوبة في منطقة تشتعل النيران في أطرافها ولا تحتمل تصرفات طائشة أو مؤامرات دنيئة، بهدف الحصول على مكاسب فردية أو تحقيق مطامع إقليمية، على حساب استقرار المنطقة وتوازنها، أظهرت وبشكل واضح، أن ما تقوم به هذه الدول مخالف للقوانين الدولية والأعراف الدبلوماسية، وأن مطالبها المزعومة مستفزة جدا ولا يمكن القبول بها في الوقت الذي ما زال «وزراء الظل» في دول الحصار يمارسون فيه التفحيط على صفحات تويتر، غير مدركين لخطورة تصريحاتهم.. أو تهور تصرفاتهم، فالمنطقة نسيج واحد ومتداخل، إما أن تنمو وتستقر معا.. أو تتدهور وتتأثر معا!
وهذا ما أكده وزير الخارجية الشيخ محمد بن عبدالرحمن آل ثاني من واشنطن أمس ان المطالب يجب أن تكون عقلانية وقابلة للتنفيذ وعدا ذلك فهو مرفوض ، و ماقدم حتى الآن هي ادعاءات تفتقد للأدلة !
قبل أن أبدأ في سرد المقال، لا بد من التوقف قليلا عند معنى العنوان وتفسيره، باعتباره مرتبطا بما هو آت من معلومات وفقرات، ويتطرق لحقائق لا تخلو من «النغزات».
«كوجا مرحبا».. هي جملة فارسية المنشأ ومتداولة في بعض الأوساط الخليجية، وتعني التقليل من أهمية الشيء أو الكلام أو الانتقاص من وزنه.. أو أحيانا تقال لمن لا محل له من الإعراب.
لكني سأذهب مع تفسير الكاتب البحريني خليل الذوادي، الذي قال عن الجملة في صحيفة «الأيام»: «إنها وسيلة للرفض والاستنكار وتستخدم عند تصرف غير لائق أو من شخص ثقيل الظل أو من فعل لا يصدر عن حكمة».
فتفسيره هو المناسب لمحتوى المقال، لأننا سنتحدث عن فعل لا يصدر عن حكمة، وهو الحصار المفروض على قطر من دول مجاورة ويفترض أنهم أشقاء، كما سنتناول تصريحات شخص «ثقيل الوزن» السياسي، وهو وزير خارجية البحرين الشيخ خالد بن أحمد آل خليفة.. وشخص تصريحاته غير لائقة وتشبه حديث المطلقات على «شاي الضحى».. وبعيدة عن الأطر الدبلوماسية، وهو أيضا وزير دولة للشؤون الخارجية بدولة الإمارات أنور قرقاش.. كما أنه يفهم جيدا معنى «كوجا مرحبا» لارتباطه بالثقافة الفارسية نظير التواجد المؤثر للجالية الإيرانية، في مختلف أنحاء الإمارات، وشراكة بلاده التجارية «المليارية» مع طهران.. مما يجعل هذه الجملة محفوظة لديهم.. في الذاكرة والأذهان.
والملاحظ أن آل خليفة وقرقاش هما من يبرزان على الساحة حاليا، علما أن الأول هو وزير «رديف» لوزير الخارجية السعودي، الذي ظهر في البداية ثم ارتبك وتأتأ في الكلام.. وفشل في تجييش وحشد المواقف المؤثرة لصالح بلاده وملحقاتها، فآثر الانسحاب بهدوء من دائرة التوتر وتويتر، وزج بالوزير «ثقيل الوزن» السياسي، ليستكمل المهمة رغم أنه متعود على «الريتويت» أكثر من التغريد!
وكم من تغريدة جادت بها قريحة الوزير البحريني، فلاقت من التهكم والسخرية ما تستحق لتدني مستواها وضعف محتواها، ومنها على سبيل المثال ما غرّد به في يوم سقوط الرئيس المنتخب في مصر محمد مرسي إذ كتب آل خليفة لا فض فوه: «السح الدح امبوه.. إدي الواد لأبوه.. يا عيني الواد بيعيط.. الواد عطشان اسقوه»..!
فهذه التغريدة «الدمبكجية» وما تبعها من «قرقيعان» و«قرقاعوه» تؤكد أن سعادة الوزير «الثقيل» في وزنه السياسي.. «خفيف» في حضوره الاجتماعي..!
وإذا نحينا مستواه في اختيار التغريدات بتويتر جانبا، وتناولنا تصريحاته ومواقفه فإننا سنرى العجب في تناقضاته.. والسهولة في تحولاته.. إما أنه ينسى ما قال أو أنه كل يوم على حال!
سبق وتحدثنا عن إشاداته المتكررة بدولة قطر وسياستها ومساعيها تجاه الشقيقة البحرين وحرصها على دعمها واستقرارها، وهذا الكلام موثق ومسجّل تليفزيونيا، وفي نفس الوقت وفي ذات الفترة الزمنية يصرّح بالعكس ويتهم قطر بالتدخل في شؤونهم الداخلية وزعزعة أمنهم والتحريض عليهم..!
فهذه النقطة هو كفانا بالرد وغيرنا، وفضح مواقفه بنفسه فأصبح لا حاجة للتطرق لهذه الخزعبلات لافتقادها المصداقية والأمانة، وهي عبارة عن دور في مسرحية لتوجيه أي تهمة إلى قطر حتى لا يكون صامتاً.. وخافتاً.. فربما يوجّه له توبيخ لافت!
لكن سأتوقف عند آخر نقطة في ملف تناقضاته السياسية التي تشبه «انفصام الشخصية» أو الاضطراب في الحالة النفسية!
سعادة الوزير «الثقيل» في منصبه والخفيف في تغريداته، قال في يوم العاشر من يونيو، عقب لقائه بالرئيس رجب طيب أردوغان إن القاعدة التركية في قطر لحماية أمن الخليج كله.
ثم عاد وغرّد قبل يومين ليقول إن أساس الخلاف مع قطر سياسي وأمني ولم يكن عسكريا قط.. إحضار الجيوش الأجنبية وآلياتها المدرعة هو التصعيد العسكري الذي تتحمله قطر!
انتهى التصريح المتناقض، فعندما كان بجوار أردوغان قال القاعدة التركية في قطر لحفظ أمن الخليج، وعندما عاد إلى بلاده.. قال على قطر أن تتحمل هذا «التصعيد العسكري»!
قبل أن تتحدث عن قطر بهذه اللهجة يا سعادة الوزير عليك أن تعرف حجمك الطبيعي، ولا أقصد وزنك أو ضخامة جسمك، ولكن أعني دورك السياسي وتأثيرك الدبلوماسي، والذي لم يغط كامل البحرين، حتى تفتل اشنابك على دولة شقيقة ما زالت وستبقى تحافظ على حسن الجوار والأسلوب الراقي في الحوار.. ولن تنجر لهذا النوع من التصريحات التي لا تخلو من الاستفزاز والابتزاز..!
أما الوزير الثاني الذي يسرح ويمرح في الفضائيات، ويطلق أشكالا وألوانا من التصريحات والتهديدات وكأنه «يالس» مع ربعه في رحلة صيد بين طنب وبوموسى، ويعطيهم من «هالرمسة»، المفتلة»، وفي نفس الوقت «يتيسس» على جزرهم المحتلة!
وإذا مر به الغارب على حين غرة من أمام الجزر الثلاث اقترح عليه أن يشغّل أغنية عيضة المنهالي التي صرعت الشعب والتي يقول فيها: «الله ياني على لاماك متصوع.. ومن كثر صوعي أحس برأسي صداعي»!
هذا الوزير هو «الاحتياطي» في التشكيلة وليس الأساسي، فهو مخصص للتغريدات والبرامج، ودوره محدد ومحدود، وإن كان يحاول أن يلبس «كندورة» أكبر من مقاسه..!
أنور قرقاش «وزير تويتر» تارة يهدد بالفراق وأخرى بالطلاق، ولم يتبق إلا أن يقول إن أبوظبي ستطلب «الخلع» من علاقتها مع الدوحة!
وما جدوى حديثه عن الفراق والتهديد به في الوقت الذي اتخذ فيه كل ما يقدر أو تطوله يداه، و«أحرق» جميع أوراقه ومراكبه من الجولة الأولى.. ولم يعد لكلامه قيمة أو محل من الإعراب.
يقول قرقاش إن الأزمة ربما تستمر لسنوات، وفي نفس الوقت يقول الحل في الرياض.
ونحن نقول له إن قراراتك لا تصل لجسر المقطع، ولا حتى تقاطع زعبيل، حتى نضع لها الكثير من الوزن أو الاعتبار، خاصة أنك تتحدث عن دولة لها شأنها ووزنها في الإقليم والعالم.. ولا تتحدث عن محل يبيع «الدراريع» في سوق نايف!
وصحيح أن الرياض هي عاصمة القرار والبقية «تابعين».. وبما أنك اعترفت بعظمة لسانك أن الحل هناك.. فبالتالي لا قيمة لتصريحاتك.. أو تهديداتك.. بالفراق أو الطلاق.. لأن «العلم» عند غيرك!
وطبعا مثل هذين الوزيرين، مضافا لهم معالي عادل الجبير، ومعهم نظام السيسي لن تسمع منهم أي إدانة أو استنكار لقيام الطيران الإسرائيلي (ومؤيديه) بقصف قطاع غزة، فجر أمس، في عملية همجية واستفزازية، الهدف منها جر القطاع لحرب شعواء تتمخّض عنها عملية إجلاء وتهجير قسري لأهل غزة من أرضهم وديارهم، بحسب المخطط الذي يشرف عليه فريق المؤامرات بقيادة محمد دحلان، عرّاب تقسيم المنطقة ومهندس خرائطها ومدبّر دسائسها.. يظهر بوجهين ويلعب على الحبلين بينما يداه ما زالتا ملطختين بدماء الفلسطينيين!
بل أن بعضهم لم يكتف بالصمت وإنما مارس الشماتة والاستهزاء بالشعب الفلسطيني المغلوب على أمره عبر وكلائه في وسائل الإعلام المتصهينة، وذلك نكاية في حركة المقاومة الشريفة «حماس»، وينتظرون بعد هذه البروفة ساعة الصفر لتصفيتها وتدمير البيوت وتهجير السكان ليطلقوا رقصتهم الشيطانية عبر صحفهم وبرامجهم الفضائية، في ليلة فرح إسرائيلية..!
ويبدو أن قانون التعاطف مع قطر ألقى بظلاله على غزة، فتوقع الكثيرون أن الإشارة لما حدث لها أو مجرد الدعاء لها قد يكون سببا لإلحاق الأذى بمن يقوم بذلك أو معاقبته أو ربما اتهامه بالإرهاب، كما غرد بذلك الشيخ عادل الكلباني.
لذلك لم يعد مستغربا من القنوات المهتمة بالبقر وصحافة المشاوي والكبدة أن تتجاهل خبر القصف وكأنه غير موجود، بينما اختراق وكالة الأنباء القطرية، كانوا جاهزين لتغطية الفبركة بالتحليل والتهليل.. والتعليل؟!!
مشكلة هذه الوسائل أنها لم تدرك حتى الآن أن الزمان غير الزمان وما يصلح في صوت العرب وإذاعة لندن والأهرام والجمهورية وقناة «استقبل وودع» لم يعد صالحا في عصرنا هذا، الحافل بجميع وسائل الاتصال التقني المهني، وأن ما تقوم به هذه الحفنة من القنوات والصحف هو ما يشبه الانتحار الجماعي أو كمن يحفر قبره بيده، الشعوب واعية جدا ولديها وسائلها، وكل فرد عنده جريدته في الفيسبوك وقناته في تويتر والسناب ومجموعته في الواتساب وهو محرر ومصور ومتابع، ولا يستقي المعلومة من مصدر واحد، ويفرق بين الغث والسمين، ويعلم الحقيقة من الدجل، ويتعامل بموضوعية ومهنية ويسخر من قنوات المراعي والملوخية!
فهذا النوع من الإعلام وما يفرزه من تصريحات وتغريدات.. سواء من وزراء الظل أو دول الرز بهدف الضغط للحصول على تعويضات أو تغيير مسارات أو التدخل في سياسات، وهم الذين صدّعوا العالم بجملة «قطر تتدخل في شؤوننا الداخلية» وإذا بهم يسعون ويحاولون بشتى الطرق الملتوية للدخول بين الظفر واللحم بهدف التشويش على الدوحة والسيطرة على قرارها الوطني، قافزين على كل الأعراف والقوانين الدولية التي تحترم سيادة الدول وترفض مثل هذه الممارسات العنجهية..!
كما أن مطالبهم مثيرة للاستغراب والسخرية في ذات الوقت، ومنها على سبيل المثال نذكر أن المملكة العربية السعودية قد أجرت مناورات مع القوات التركية العام الماضي وشهدت نجاحا ونتائج طبية، ثم يعترضون على وجود قاعدة تركية في قطر لدواع أمنية!! فهل المملكة كانت تتدرب عسكريا مع حليف غير موثوق به..؟!
ومثال آخر على قائمة التخبطات.. تقول المادة التاسعة من نظام مجلس التعاون الخليجي إن القرارات تصدر بالإجماع.. فكيف تتحدثون باسم المجلس في مطالبكم وأنتم لا تشكلون إلا النصف فقط؟!
ثم ماذا يضمن لقطر أن مزاجكم السياسي لن يتعكر أو يتهكّر كما هو الحال مع سلوكياتكم المتقلبة.. فتارة تستقبلون العلاّمة الشيخ يوسف القرضاوي، وتارة تصفونه بالإرهابي.. ومرة تكرمون العميد حمد بن فطيس المري في اليمن تقديرا لجهوده، ومرة تضعونه في قائمة الإرهاب..!
أمام هذا العك السياسي والتصريحات المتناقضة والمواقف المزدوجة والتصعيد والتهديد والهمز واللمز.. نعود إلى القول إنكم بحاجة إلى أن تجلسوا مع أنفسكم أولا وتراجعوا تصرفاتكم وتصريحاتكم وتغريداتكم.. وتعتذروا عن أخطائكم وتدخلاتكم وتضعوا الأمور في نصابها الصحيح قبل فوات الأوان.. فهذه الأفعال تفتقد للحكمة وغير لائقة، ونواجهها بالرفض والاستنكار والاستمرار، ولا تغير من ثوابتنا ومبادئنا ولا محل لها من الإعراب، ونختصرها في المثل الإيراني الذي يفهمه الوزيران البحريني والإماراتي ونأمل أن يترجماه للوزير السعودي والنظام المصري:
«كلامكم.. كوجااا.. مرحبا»..!!
بقلم : محمد حمد المري
رئيس التحرير المسؤول

محمد المري