كتاب وأراء

الأمين العام تعامل مع الأزمة الراهنة بتجاهل تام

نهاية ميثاق دول مجلس التعاون !

نهاية ميثاق دول مجلس التعاون !

في 16 مايو 1976م زار أمير دولة الكويت آنذاك الشيخ جابر الأحمد الصباح - رحمه الله - دولة الإمارات العربية المتحدة لعقد مباحثات مع رئيس دولة الإمارات الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان - رحمه الله- حول إنشاء مجلس التعاون الخليجي. واقترح فكرة إنشاء هذا المجلس، فلقد خطط ونفذ هذا المشروع لإحساسه بوجوب سد النقص الذي خلفته المملكة المتحدة بعد خروجها من الخليج العربي، وكان قد اقترح إنشاء المجلس في قمة لجامعة الدول العربية في الأردن في عمان في نوفمبر 1980م وفي عام 1996م اقترح إنشاء مجلس شعبي استشاري لدول مجلس التعاون الخليجي وذلك في القمة السابعة عشرة في الدوحة يتكون من ثلاثين عضوا بمعدل خمسة أشخاص للدولة الواحدة. كما يعرف مجلس التعاون الخليجي بأنه تكتل سياسي اقتصادي يتكون من ست دول هي: الإمارات والبحرين والسعودية وعمان وقطر والكويت، فيما تم التوقيع على وثيقة إعلان قيام المجلس في قمة وزراء خارجية الدول الست في العاصمة السعودية الرياض سنة 1981، وكان الهدف الأساسي منه تحقيق التنسيق، والتكامل، والترابط بين الدول الأعضاء في جميع الميادين، وصولاً إلى الوحدة.. تأسس المجلس، بالاجتماع المنعقد في الرياض وكان كل من الشيخ جابر الأحمد الصباح والشيخ زايد بن سلطان آل نهيان- رحمهما الله- من أصحاب فكرة إنشائه. وبعد مرور نحو 36 عاما على قيام المجلس، يمر الآن بأزمة هي الأصعب في تاريخه بحسب المحللين، إذ قطعت السعودية والإمارات والبحرين علاقاتها مع قطر في الخامس من يونيو، وذلك في أسوأ أزمة دبلوماسية تشهدها المنطقة خلال سنوات، لكن الأمر تخطى كونه دبلوماسيا، وباتت قطيعة اقتصادية خلفت وراءها الكثير من الخسائر لهذه الدول!
ولاتزال الأزمة الخليجية متواصلة على الرغم من استنفاد محور أبوظبي والرياض لجميع أوراق الضغط التي لديه وحاول ممارستها على قطر دون جدوى بالإضافة إلى تدخل الوساطات الخليجية والعربية والدولية لإنهاء هذه الأزمة التي عصفت بالخليج بعد اختراق موقع وكالة الأنباء القطرية «قنا» ونشر تصريحات مزورة على لسان صاحب السمو الشيخ تميم بن حمد آل ثاني.
تساؤلات بشأن المستقبل كشفت الأزمة الخليجية المفتعلة ضعف دول مجلس التعاون الخليجي.. ويأتي هذا الضعف في ظل عجز الأمين العام لدول مجلس التعاون الخليجي، البحريني عبداللطيف الزياني، عن إصدار تصريح واحد عن الأمانة العامة سلباً أو إيجاباً والتعامل مع الأزمة التي تعصف العالم بأكمله وكأنها أزمة وهمية أو غير موجودة. كما تجاهل الزياني لائحة النظام الأساسي لدول مجلس التعاون الخليجي، والتي تنص في مادتها (10) على تشكيل هيئة تسوية المنازعات لحل أي مشكلة تحدث بين دول مجلس التعاون الست. كما أنه ارتكب تجاوزاً آخر تمثل في صمته عن تجاوز محور أبوظبي والرياض لهذه المادة وقيامهم بقطع العلاقات بدون عرض الموضوع على المجلس الأعلى لدول مجلس التعاون والذي يتكون من رؤساء الدول الخليجية. كما أن اختيار الزياني للصمت في هذه الأزمة بما يوحي بالمحاباة لدولة البحرين وهي أحد أطراف الأزمة، مخالفاً بذلك المادة (16) من اللائحة والتي تنص على أن يمارس الأمين العام أعماله باستقلالية تامة. وسبق لدول مجلس التعاون الخليجي أن مرت بخلافات مشابهة بين أعضائها حول العديد من المسائل، أهمها تدخل بعضها البعض في سياساتها الداخلية، بالإضافة إلى مشاكلها الحدودية والنفطية، وصل بعضها إلى التدخل العسكري، لكن هذه المشاكل غالباً ما تنتهي ضمن حدود مجلس التعاون ولا تتجاوزه إلى مكان آخر كما يحدث اليوم.
ومن أبرز الخلافات التي نشبت بين دول مجلس التعاون هو الخلاف القطري- البحريني على مجموعة جزر في تسعينيات القرن الماضي. كما اندلعت خلافات أخرى بين السعودية والإمارات عام 2009، ما أدى لإغلاق السعودية حدودها أمام الإمارات. واندلع خلاف آخر بين سلطنة عمان والإمارات عام 2011 على خلفية اكتشاف عمان شبكة تجسس إماراتية على أراضيها، لكن أمير الكويت الشيخ صباح الأحمد الصباح أنهى هذا الخلاف بوساطته، بالإضافة إلى وساطته الشهيرة عام 2014 ضمن اتفاق الرياض بين قطر ومحور أبوظبي- الرياض. لكن صمت الأمين العام لمجلس التعاون الخليجي وتعامل المؤسسة الخليجية بأكملها مع الأزمة الراهنة بتجاهل تام بدون بيان استنكاري واضح، أفقد العديد من قادة المنطقة الثقة في دور هذه المؤسسة. وهو ما بدا واضحاً على أمير الكويت الشيخ صباح الأحمد الصباح، والذي جاب ثلاث عواصم في أقل من 24 ساعة لحل الأزمة بدون جدوى، إذ قال لصحيفة «الجريدة» بنبرة مليئة «بالأسى»، حسب وصفها، إنه من الصعب عليه وعلى الجيل الذي بنى مجلس التعاون الخليجي قبل 37 عاماً أن يرى تلك الخلافات بين أعضائه والتي تؤدي إلى ما لا تحمد عقباه. بعض هذه الخلافات ظلت في نطاق سياسي لا أكثر، ولم يكن لها ضرر اقتصادي يذكر، ولكن هذه المرة فإن الاقتصاد ربما يكون الأساس في المعادلة، والمعادلة الاقتصادية هذه المرة لن يكون لها سوى جانبين فقط، إما الاتفاق والنجاح، وإما الاختلاف والفشل. الجميع يعلم بأن إمارة أبوظبي والرياض انتهجا سياسة مزدوجة في التعامل مع مجلس التعاون الخليجي، تمثلت أولا بالحشد خليجياً ضد قطر. لكن هذه السياسة فشلت بشكل ذريع بعد أن اصطدمت بقرار الكويت وعمان الحياد التام ورفضهما للحصار. ويضاف إلى ذلك قيام الحكومة الكويتية بإبعاد صحفها ووسائل إعلامها عن نيران الحرب الإعلامية، وفتح المجال الجوي أمام الطائرات القطرية. كما قام أمير الكويت بقيادة جولة المفاوضات بين العواصم الخليجية بنفسه، ما حدا بمحور إمارة أبوظبي والرياض لانتهاج الشق الثاني من السياسة المزدوجة والذي تمثل بتجاهل وجود منظومة مجلس التعاون ولائحته الأساسية والقيام بسحب السفراء من دون إعلام بقية الدول الخليجية وحشد مجموعة من الدول، مثل جزر المالديف، في محاولة للضغط على قطر وإجبارها على ترك سياستها المستقلة خارجياً وداخلياً. وعلى الرغم من أن الأزمة قد امتدت نيرانها إلى العديد من الدول الإقليمية والدولية، مثل تركيا والولايات المتحدة الأميركية والاتحاد الأوروبي، فإن أمير الكويت الشيخ صباح الأحمد الصباح يأمل أن يكون الحوار الخليجي الخليجي هو المخرج من هذه الأزمة لإعادة الثقة في منظومة مجلس التعاون التي فقدت أهميتها بعد أن وقفت موقف المتفرج أمام قرارات حصار قطر.
أخيرا.. وليس أخرا.. في ديسمبر 2016، عقد مجلس التعاون الخليجي الدورة الـ37 في البحرين، وذلك بمشاركة ملوك وأمراء دول مجلس التعاون، وكان من المتوقع أن تخلص القمة الخليجية إلى إعلان إجراءات عملية لتحقيق التكامل الاقتصادي، من حيث تعزيز العمل الخليجي المشترك، والانتقال من مرحلة التعاون إلى مرحلة الاتحاد، والعمل على مشروع العملة الخليجية الموحدة، بالإضافة إلى الاتفاق على إجراءات تطبيق ضريبة القيمة المضافة الموحدة لدول الخليج التي أقرتها دول المجلس العام الماضي، ولكن انتهت الدورة كما بدأت دون التقدم خطوات ملموسة في هذه الملفات، اللهم إلا الاتفاق على ضريبة القيمة المضافة المزمع تطبيقها مطلع العام القادم. وهو ما يذكرنا بمقولة أستاذ العلاقات الدولية في جامعة السوربون الفرنسية محمد هنيد، بأن «مجلس التعاون الخليجي الذي نص في بنود تأسيسه (1981) على التقارب والتناغم، وصولا إلى الوحدة، أصبح مثل باقي الهياكل العربية الجوفاء كالاتحاد المغاربي والجامعة العربية»، ففي الواقع لم يحقق المجلس معظم أهدافه، وأبرزها العملة الخليجية الموحدة، وجواز السفر الموحد، والأمن المشترك، والجيش الخليجي الموحد، والبنك المركزي الموحد… إلخ.



بقلم : عبدالله غانم المهندي

عبدالله المهندي