كتاب وأراء

حَرب الحُريَّات الإعلاميَّة

أثارت الأزمة الخليجية الحالية الكثير من الإشكاليات والثنائيات التي كانت غائبة ومؤجلة عن الساحة ولفتراتٍ طويلة؛ منها على سبيل المثال لا الحصر: طبيعة الأخوة الخليجية، تطبيق المواثيق الدولية، الحُلفاء الحقيقيون والمزيفون، الأخلاقيات الدبلوماسية والحريات الإعلامية، وفي الحقيقة أجد أنَّ إشكاليَّة حرب الحُريات الإعلامية التي تمّ تصديرها في بداية الأزمة من دول الحصار التي طالبت في موقفها الفانتازي التاريخي ضمن قائمة اتهاماتٍ باطلة أن تفرض على الحكومة القطرية إغلاق شبكة قنوات الجزيرة الإخبارية ومصادرة أي نوع من النشاطات الإعلاميَّة الحُرَّة في المستقبل خاصةً إذا انتهجت نهجَ الجزيرة في صحافتها وإعلامها الذي يقوم بدورهِ الإعلامي والأخلاقي الصحيح في فضاءٍ يعُجُّ بالبلطجة الإعلاميَّة والأخلاقيَّة، كما أنَّ دول الحصار لم تقف عند ذلك الحدّ بل إنها ولحفظ موقف عارها التاريخي وفي سعيها لتكميم الفضاء الفسيح أكثر؛ دعت مواطنيها صراحةً إلى عدم إبداء التعاطف أو الميل أو المحاباة تجاه تلك قطر، أو حتى الاعتراض على موقف هذه الدول من هذه الإجراءات الجائرة وذلك عبر نشر أي تغريدهٍ أو صورةٍ أو رأيٍ مرسل في شبكات التواصل الاجتماعي وبهذا أعلنت وبكل غباء موقفها الديكتاتوري نحو حرية الإعلام الرسمي وإعلام المواطن في سابقةٍ جديدة ومرثيةٍ أخلاقيَّةٍ أخرى تستحقها!
إنَّ دول الحصار حاولت أن تقوم بتقويض البناء الإعلامي الرسمي لدولة قطر، ففي البداية رسمت لسيناريو ركيك عبر اختراقها لموقع وكالة الأنباء القطرية وبثها لتصريحاتٍ مفبركة على لسان قائد الحرية والمجد القطري، سمو الشيخ تميم بن حمد آل ثاني أمير البلاد المفدى في محاولةٍ يائسةٍ منها لزعزعة الأمن والثقة الشعبية للقائدِ ورمز الدولة، وبعد اجهاض هذا السيناريو قامت بإعلان الحصار وتقديم قائمة يائسة أخرى ضمّنتها عددًا من الوصايا الأبوية المرفوضة لدولةٍ لها كيانٌ مستقلٌ رشيد لا تتبع أحدًا وليست طفلةً صغيرة تأخذُ التعليمات من والدها بل هي أنموذجٌ منفرد للدول الفتيَّة الرائدة في سياستها الداخلية والخارجيَّة وفي حكومتها العادلة المحبوبة، وقد جاء ضمن هذه الوصايا الإلزاميَّة المرفوضة إغلاق منبر الجزيرة الحُر الذي كان ومازال وسيظل بعونِ الله أنموذجًا للشفافيَّة المطلقة التي تمارسها الحكومة القطرية التي ليسَ لديها شيءٌ تخفيه والتي تعتبر وبشكلٍ جادّ؛ الصحافة كسلطة رابعة معززةً دورها الحُر لا المُسَيَّس من الوقوف الإيجابي مع الحقّ في كُل مكان، وانتهت هذه الدول بفَرض الوِصاية الإعلاميَّة على أبنائها في الداخل حيثُ منعتهم بسلطة القانون من عدم التدخل في أي شكلٍ من أشكال التعبير المتعاطف مع قطر حيثُ عَللَت أنَّ ذلك سيضُرّ بالمصالح العُليا والوحدة الوطنيَّة والنسيج والسُلم الاجتماعي لتلك الدول!
لقد قامت دولُ الحصار بشّنِّ حربٍ حقيقية على الحُريَّات الإعلامية الخاصة لدولة قطر بسبب اتهامها الباطل لها أنَّها تقوم بدعم الإرهاب في الوقت الذي كانت وما زالت فيهِ القناة تقوم بفضح تآمر الأشقاء على أشقائهم وكشف النفاق السياسي والتدليس الإعلامي في كل مكان، وتبني رأي الشباب الحُر الثائر ونقلت مطالبه المشروعة في دول الربيع وطالبت بحق تجريم الديكتاتوريات الظالمة التي تستحق العقوبة ولو بعدَ حين، ولقد عكس موقف هذه الدول مزاجيتها السياسيَّة وطفولتها الدبلوماسيَّة فهذه الاتهامات الخاصة بالإرهاب والتحريض عليها أن تُوضع على أساسٍ واضح من المبادئ والقوانين والأسس التي لا يمكن الحياد عنها وليس على أساس الأهواء والرغبات السياسيّة الشيطانيَّة!
إنَّ حرب الحُريّات الإعلامية كشَفَ عن شرخٍ وهُوةٍ كبيرة بين هذه الحكومات من جهة وشعوبها من جهةٍ أخرى والتي تمّ قمعُها بطريقة ديكتاتورية كي تصمُت نهائيًا ولا تصدر أي ضجيج يذكر في أي مكان، خاصة في الفضاء الافتراضي الحُر الذي يمارس فيه المواطن دورهُ الإعلامي الرئد ويُوصل فيه صوته للمسؤولين وللجماهير المتصلة بالشبكة العنكبوتيَّة، الأمر الذي يعكس أنَّ غالبية الرأي العامّ في دول الحصار مُعارضة قرار الحكومة التي عجزَت عن إقناع شعبها بتصرفاتها الطفوليَّة، فيما فتحت المجال للتجنيد الافتراضي حيثُ خلقت لنفسها مناصرين وهميين وآخرين مدعومين أو مهددين لتكوين غطاء شعبي مُناصر ومصفق ومطبل لها.
إنَّ دول الحصار الشقيقة –هداها الله وغفر لها- قامت بوصم عشرات الأفراد والكيانات بالإرهاب في الوقت الذي تقوم فيه بانتهاك حريَّة مواطنيها وقمعهم في عدم التعبير الحُر السلمي والذي يعتبر حقًا من حقوق الإنسان الذي ينُص عليه الإعلان العالمي لحقوق الإنسان، وفي مقابل كُل هذا نجد أنَّ قطر العِز ورُغم كل الحملات التحريضيَّة والمزاعم الكاذبة والاتهامات الباطلة التي تواترت عليها منذُ اندلاع الأزمة؛ لم تقم بأي شكلٍ من أشكال تضييق حريَّة التعبير أو قفل الفضاء الرسمي أو الافتراضي للإعلام أو حتى محاولة توجيهه وأدلجته.

بقلم : خولة مرتضوي

خولة مرتضوي