كتاب وأراء

دولة قطر أعظم من أن تحاصر .. الدبلوماسية القطرية والعقلانية السياسية

ربما كان أهم ما يصنع الفارق بين الدول هو قدرتها على تحقيق مصالح شعوبها والحفاظ على سيادتها الوطنية وقوام هذا التصور أن السياسة هي مجال لتدبير الشأن العام وتنظيم العلاقات في الداخل والخارج بأساليب عقلانية تقوم على المنطق والحوار. وإذا كان الخلاف بين الدول وتضارب المصالح في أحيان كثيرة هو من طبيعة الممارسة السياسية حيث لا يمكن أن تتطابق العلاقات بين الكيانات السياسية بصورة تامة إلى حد التماهي وغياب أي شكل من أشكال الاختلاف.
غير أن المهم هو طريقة إدارة هذا الخلاف والتعامل معه بوصفه مشكلا يمكن مجاوزته بصورة تحقق مصلحة جميع الأطراف وبين رؤية أخرى تنزع نحو الهيمنة ومحاولة إخضاع الآخر لتصور أحادي يرفض أي شكل من أشكال التعاون ولا يرى العلاقة مع الغير سوى حالة من حالات الصراع والإلغاء المتبادل. وقد كشفت الأزمة الخليجية عن هذين المنزعين ضمن السياسات العامة لدول الحصار من جهة ولدولة قطر من جهة أخرى.
فالمراقب الموضوعي يدرك طبيعة التعامل العقلاني للدبلوماسية القطرية التي تفوقت على خصومها في طريقة إدارة الخلاف والتعامل مع الأزمة وبشكل ذكي يحفظ مصلحة قطر دون أن يتورط في خطاب عدواني تحريضي، فقد جمعت الدبلوماسية القطرية بين الواقعية في الأداء والذكاء في التعامل مع المشهد السياسي الدولي بشكل مكنها من حشر الخصوم في الزاوية.
وقد كشف اجتماع القاهرة الأخير عن مدى تأزم مواقف دول الحصار وعجزها عن اتخاذ موقف واضح ومحدد بعد أن دخلت سياساتها العدائية في طريق مسدود.
ففي العمل الدبلوماسي ينبغي لرجل الدولة أن يدرك طبيعة الخطوات التي يتخذها وما الذي ستفضي إليه ووضع استراتيجيات واضحة للمستقبل بعيدا عن ترك الأمور للمصادفات. فقد فشلت سياسة التحريض وانكشفت عبثية المطالب التي قدمتها دول الحصار ووجدت نفسها في النهاية تقدم خطابا يكرر مفردات الأزمة دون تقدم لحلها أو حتى إدراك لطبيعة الخطوات المقبلة التي ينبغي اتخاذها لحل المشكل المصطنع الذي تم اختلاقه دون سابق إنذار.
وبعيداً عن الخطابات التحريضية واللغة الخشبية يمكن أن نلاحظ مدى نجاح الدبلوماسية القطرية في توضيح موقفها للرأي العام الدولي ونجاح خطتها التواصلية مع الدول الكبرى سواء في الاتحاد الأوروبي أو الولايات المتحدة الأميركية أو روسيا.
فالقوى الكبرى ذات التأثير الدولي تسير جميعها نحو تفهّم الموقف القطري واعتبار الحوار هو الأداة الوحيدة لحل أي مشكل سياسي ورفضها لمنطق الحصار الأحادي الجانب الفاقد لكل تبرير منطقي في العلاقات بين الدول.
إن الأزمة الخليجية هي في جوهرها تعبير عن محاولة سياسية بائسة لإخضاع دولة ذات سيادة ولم يكن من اتخذ قرار الحصار يتصور أن قطر قادرة على تخطي المقاطعة وأن لديها أوراقا كافية لإعادة ترتيب المشهد في المنطقة لصالحها. وهنا تكمن أزمة ثلاثي الحصار ومن شايعهم ذلك أن الدولة القطرية كشفت عن بنية مؤسسية قوية ووجود خطط بديلة جاهزة للتعامل مع الأزمات الطارئة مكنتها من استيعاب مخلفات الأزمة بسرعة قياسية. والمتابع لتصريحات سعادة الشيخ محمد بن عبدالرحمن آل ثاني وزير الخارجية القطري، يدرك مدى الثقة والتماسك الذي يتعامل به مع الأزمة بعيداً عن الإسفاف أو الارتباك بالإضافة إلى قدرة واضحة لتفكيك ملفات الأزمة المفتعلة وهو أمر نلاحظه بسهولة في طريقة تعامل قطر مع الوسيط الكويتي وفي ردها الحكيم على قائمة المطالب الثلاثة عشر التي قدمها ثلاثي الحصار ومن تابعهم.
ولأن العمل الدبلوماسي الحكيم ليس مجرد تصريحات أو اتهامات دون سند أو دليل فقد تمكنت قطر من إفراغ الحصار المفترض من مضامينه ولينقلب المشهد بشكل واضح فلم تعد قطر مُطالبة بتبرير مواقفها أو تقديم كشف حساب عن سياساتها بقدر ما أصبح الحصار فعلا عبثيا فاقدا للمغزى السياسي وللغاية التي كان يهدف إليها. فدولة قطر أعظم من أن تُحاصر.

بقلم : سمير حمدي

سمير حمدي