كتاب وأراء

قراءة في خطاب العزة والنصر

راهَنَ جيراننا الأشقاء على فشل الدبلوماسيَّة القطرية أمام جبروت الحصار الجائر، راهنوا على أن تضمحل هذه الدولة الجارة وتتزعزع وترضَخَ وإن طال الزمان أو قصُر، وما جاء رهانُها ذلك إلا استنادًا على إفلاسها في تحقيق استقلاليتها الذاتيَّة وتبعيَّتها في صُنع سياستها الخارجيَّة والتي كانت ومازالت قطر تتمتعُ بها رُغم الامتحان الصعب الأخير، فالأشقاء اتكأوا على نواياهُم الانتقاميَّة والتخريبيَّة والذين راهنوا على عدم صمود الحكومة والجبهة الداخليَّة القطريَّة وأمنَوا أنفسهم بعددٍ من التصريحات الانتقاميَّة والبيانات النارية والإجراءات التصعيدية التي وصفتها بالعِقابيَّة، ولكن شاءّ اللهُ لهم أن تخيبَ مؤامرتهم الكبرى على شقيقتهم قطر وينقلب السحرُ على الساحر!
إنَّ خطابات القادة والزُعماء السياسيين لطاما استطاعت أن تُجيش مشاعر الشعوب وترفع من معنوياتها وتُغيِّر بشكلٍ جذري مسارها التاريخي من خلال ما تتضمنهُ من مضامين مُحنّكة، وقد جاءَ الخطاب الشامل الجامع المانع الذي قدمهُ للتاريخ وللشعب صاحب السمو الشيخ تميم بن حمد آل ثاني أميرُ البلادِ المفدى حفظهُ الله ورعاه؛ بمثابة درسٍ للأشقاء المتآمرين وجوابٍ منتظَر طال ترقُبُهُ من قبل الجميع، وذلك نظرًا لما تضمنَهُ الخطاب من كلماتٍ تاريخيَّة في هذه المرحلة الحساسة من تاريخ قطر والخليج، فصاحبُ السمو يُعتبر من الشخصيَّات السياسيَّة الخليجيَّة التي تتمتع بكاريزما خاصة مؤثرة، ودائمًا ما تتمتعُ الخطابات التي يُلقيها في مختلف المحافل والمناسبات المحليَّة والدوليَّة بأسلوبها المتميز ومضامينها الهامة وبلاغتها اللغويَّة وتميُّزها بعبارات التعبئة المؤثرة، فخطابات صاحب السمو لعبت على الصعيد المحلي على سبيل المثال دورًا كبيرًا في بناء المعنى في المجتمع القطري وصناعة وعيه والتي تتضح من تحليل نصوصه التي يُفهم منها ثقافة واتجاه السياسة القطريَّة الحكيمة، وأجندتها السياسيَّة ورؤيتها الاستراتيجيَّة ومشروعها التنموي والأخلاقي والقيمي تجاه الفرد والجماعة.
لقد تميَّزَ خطاب العزَّةِ والنصر بكشفِهِ للحقائق كما هي وعكسِهِ لموقف قطر بكُل صراحة وشفافيَّة أمام الرأي العام المحلي والدوليّ، فنال بذلك استحسان الجميع الذي نزَل عليهم الخطاب بشكلٍ كافٍ وشافٍ وبكُل رضًا وقبول، وجاءَ غَصَّةً لأولئك الذين ألحَدت أبصارهم عن الحق وتاهوا في بيادر الفضيلة، فقد دحَضَ الخطاب السامي وعَرَّى كل الافتراءات والأكاذيب التي مسَّت كرامة قطر وسيادتها الدوليَّة المستحقَّة، ورفَضَ وبشكل جازم أسلوب الوصايَة ولغة التهديد والوعيد التي حاولت دول الحصار فرضها على قطر من خلال محاولتها البائسة في سلب الإرادة والسيادة القطريَّة الأبيَّة.
إنَّ خطابَ العِزَّةِ والنُصرَة شدد على أهمية الحوار المسؤول والبناء لإيجاد حلٍ جذري لكافة التحديات والمشاكل موضع الخلاف بشرط عدم فرض أي إملاءات وتدخُلات مرفوضة من قبل دول الحصار، مؤكدًا أهمية الحريَّة الإعلاميَّة والصحفيَّة وحُريَّة التعبير الواسعة التي أسستها دولة قطر لتكون إحدى ثرواتها الكُبرى التي تفتخر بها والتي لن تتنازل عنها أبدًا.
ويمكن القول إنَّ خطاب سمو الأمير أسس لمرحلةٍ استراتيجيَّة جديدة في قطر تعتمد على الاعتماد والاكتفاء الذاتي، والتركيز على استثمار الموارد والثروات المحليَّة المختلفة والتي تتضمن كذلك الثروة البشرية التي ترتكز قطر عليها كل الارتكاز في تحقيق رؤيتها الوطنيَّة الفنيَّة 2030 وذلك من خلال التعليم والتأهيل والتدريب وتخصيص استثمارات الغاز للأجيال القادمة وفتح المجال للمبادرات الاقتصاديَّة المختلفة ومحاربة الكسل والاتكالية، وقد أشادَ صاحب السمو وبكل وفائيَّة بدور الدول الشقيقة والصديقة التي بادرت لإصلاح ذات البين في البيت الخليجي والتي مدت أياديها للمساندة والعون والنُصرة وإقرارها السريع لاتفاقية التعاون الاستراتيجي، ولم يغفل سموه من أن يوجه رسالة تضامنٍ وتقديرٍ ومحبة للشعب الفلسطيني الشقيق مستنكرًا إغلاق المسجد الأقصى مؤخرًا والذي يُعَد أولى القبلتين وثالث الحرمين الشريفين ومسرى الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم، معتبرًا ما تمرُ به القدس حاليًا بمثابة محزٍ للوحدة ومبددٍ للانقسام، وقد جاءت هذه اللفتة المميزة في خطاب القائد القطري؛ كأول ردِّ فعلٍ عربيٍ رسمي تجاه هذه القضية التي أشعلتها إسرائيل التي نوت السيطرة الكُلية الجائرة على المدينة المقدسة والمسجد الأقصى تهويد المدينة المقدسة، وهذا ليس بغريب على قطر التي كانت وما زالت تقف بجانب كافة القضايا العربيَّة العادلة؛ نُصرةً وتأييدًا وفي ذلك جوابٌ واضحٌ وصريح لكافة التُهَم التي ألصقتها دول الحصار الجائرة بالسياسة القطرية وأولُها تهمة الإرهاب!
إنَّ الحمد لله أولًا وأخيرًا؛ فقد تحولت المحنة الأخيرة التي مرت بها دولة قطر إلى منحة إلهية رائعة، ونعمة عظيمة واجبة الحمد والشُكر، فهي امتحنَت صبر وولاء أبناءَ قطر الشُجعان من مواطنين ومقيمين والذين انتصروا بكل جدارة أمام هذا التحدي الكبير بتكاتفهم وروحهم الراقية الوفيَّة التي أكدَت للمجتمع الدولي منذُ أول أيام المحنة أنَّ قطر اجتازت وستجتاز الحصار، فقد راعى الجميع على عدم انزلاقه الأخلاقي متصدين لسيلِ التحريض والكيد والإشاعات المغرضة بالخُلُق الرفيع والحُجَّة القويَّة.

بقلم : خولة مرتضوي

خولة مرتضوي