كتاب وأراء

في الرأي والخبر

فرقٌ كبيرٌ بين الرأي والخبر فالأخير أمرٌ يحتمل الصدق والكذب، يحتمل الدقة والأمانة في النقل، ويحتمل «الكلفتة» والتلاعب بأحد عناصره الخمسة حتى يتم تمريره وتضليل المتلقّي، ولكنه - في المحصّلة النهائية- يظلّ خبراً: صدّقه أو لا تصدقه.
أما الرأي، فإنه «وجهة نظرٍ» يتحمل تبعاتها كاتب الرأي، الذي تبنّاها وفق قناعاتٍ، وأسانيدَ وفرضيّاتٍ توافرت لديه.. لذا، فإنك حين تنقل خبراً، عليك أن تكون حريصاً على إبعاد الشبهة عن الانحياز لمضمونه، سواء كان ذلك المضمون أخلاقياً، أم غير ذلك (حسب تقدير المتلقي).. يعني: لو لفتت الحاسة الخبرية لأحد المحررين نبأً عن مشاهدة فتاةٍ أعجبت بلقطةٍ في إحدى مباريات كرة القدم، فلعْلعت معها وخلعت ثيابها، وراحت «معطياها» دورة في الملعب، وتم نشر هذا الخبر، فإن المحرر في هذه الحالة لا يعدو كونه مخبراً، وليس داعياً إلى فكرة خلع الملابس تعبيراً عن الفرحة، أو كما يتمادى بعض خلق الله، فيصفونه أو يصفون الواسطة الإعلامية التي نشرت النبأ بأنهما من دعاة الخروج عن الفضيلة.. هناك في الأخبار - أياً كان نوعها- كثيرٌ من هذه الأمثلة، وشبيهاتها، تختلط فيها الأوراق، فيتم الحكم على المراسل أو المحرر أو الوسيلة الإعلامية بما هم ليسوا فيه.
أما الرأي، فهو ضمير الكاتب وصوته، طالما ختم اسمه تحت مفهوم الرأي، ولم تكن الآراء صفحةً بيضاء تلتقي حولها الأمزجة والعقول، الآراء دائماً تختلف، وهذا سرّ حيويتها، وخصوبتها، لكن تبقى للاختلاف آدابٌ وتقاليدٌ: اختلف معي ما شئت، لكن لا تصادرني، قدّم لي دليلك، فإما أن أرفع القبعة احتراماً لرأيك، وإما أن أعود فأؤكد لك بمزيدٍ من الأسانيد حجتي، ووجهة نظري دون أن أصادر رأيك.
ويلفت الانتباه- في الآونة الأخيرة- خروج الاختلاف في الرأي عن آداب الحوار، وعدنا نقرأ، ونسمع، ونشاهد مشاجراتٍ لا تحتاج إلى هذا القدر من التعصّب والتشنّج، ولاحظنا نوعيةً جديدةً من المحاورين الذين يتصنّعون ابتساماتٍ باهتةً لزجةً،حين يحاورون، ويقلبون الحوار في مساره إلى غير غايته، متلاعبين بالألفاظ، دون الإتيان بحججٍ مقنعةٍ، وحين «ينزنقون» تختفي تلك الابتسامة اللزِجة، ويظهرون دون تكلُّفٍ أو «مكياجٍ»:سفاهة في القول،وتشنُّجا، واتهامات باطلة.
دعونا نتحاور، ودعونا نسهم في تربية نشءٍ توّاقٍ للمعرفة، ودعونا نتذكّر أن إحدى الفضائل الإنسانية هي الصمت، أو الاعتراف بعدم الإلمام التام بكلِّ شيءٍ.

بقلم : حسن شكري فلفل

حسن شكري فلفل