كتاب وأراء

خَطَر عَلمَنَة الديار المُسلِمَة

إنَّ الإسلام ليسَ بطاقة صرّافٍ آليّ يتمّ استخدامها والاستفادة منها وفق الطلبِ والحاجَة، لكنَّ هذا المنطق العقلاني لا يتم استخدامُه على أرض الواقع للأسف، والأسف الأكبر أن تنتهج الإمارات الشقيقة اللاعقلانيَّة في تعاملها مع شموليَّة الإسلام الذي تدينُ به والتي عليها أن تحكمُ به على اعتبارِهِ دينًا شاملًا كامًلا لكل جوانب الحياة، لكنَّ سفير الإمارات في واشنطن؛ السيِّد يوسف العتيبة أكّدَ قبلَ أيامٍ معدودات في تصريحٍ لهُ خلالَ مقابلةٍ تليفزيونية على قناة بي بي إس (PBS) الأميركية أنَّ «ما تريده» الإمارات والسعودية والأردن ومصر والبحرين للشرق الأوسط بعد عشر سنوات؛ هو حكومات علمانية مستقرة ومزدهرة، وذلك يتعارض مع ما تريده دولة قطر، حسب تعبيره، وشخصيًا أعتقد أنَّ هذا التصريح هو أهمُّ تصريحٍ أدلَت بِهِ دول الحصار منذُ اندلاع الأزمة الخليجيَّة الأخيرة في الخامس من يونيو الماضي، فهو وضَّحَ أخيرًا لنا سبب السيناريوهات الغريبة والمضطربة والمتناقضة التي أملَتها دول الحصار الشقيقَة على قطر، وجاءَ هذا التصريح كجوابٍ منطقي لتساؤُلاتنا التي طالت، وجاءَ التصريح كدليلٍ جديد على سِقطة هذه الدول دينيًا هذه المرَّة وذلك بسبب منظورها البراغماتي للإسلام، وإملائها لشقيقتها قطر أن تتبعها في ضلالتها الدينيَّة والسياسيَّة.
قارئي العزيز، يتلاعب الكثير من أدعياء الدين والسياسة بعقولِ الجماهير والحشود وذلك من خلال نظريتهم التي تقول: أنَّ الإسلام بطبعِهِ علماني؛ لاهتمامِه بأمور الحياة الحاضرة أكثر من أمور الآخرة، ويحالون في عرضهم تقويض الهُوَّة الكبيرة بين الإسلام والعلمانيَّة من خلال محاولتهم المنتحرة في تجسير تلك العلاقة التي يزعمون أنَّها مبنية على نظرة الطرفين المتفقة في الكثير من الأمور، منها سبيل المثال: نظرتهم لليبراليّة والديمقراطيَّة، وقبولهم للمبادئ التاريخيَّة والنسبيَّة وإيمانهم بالـ(هيومانزم) أو التوجُّه الإنساني وغيرها من الأمور المزعومة الكثيرة. إنَّ مطالب الإمارات الشقيقة وأخواتها تنطوي تحت هذه الدائرة التي تحاول أن تُكسِب قبولًا للعلمانيَّة بين الحشود المسلمة في ديار الإسلام، فهي تُصَوِّر العلمانيَّة خليفة الإسلام في هذا العصر، لكنَّهُم خَسِئوا وخذلوا بعون الله تعالى، فمن يحاول أن يُلغِي تفرُّد الإسلام وهويَّتًهُ وتميُّزَهُ العقائديَّة والتشريعيَّة ويُطوِّع الدين القويم للعلمانيَّة يستحِقُ الدُعاءَ عليه بالخِذلان والخِزِي في الدُنيا والآخرة. روى الإمام أحمد أن رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال: «لينقضن الإسلام عُروةً عُروة، فكلما انتقضت عروة يتشبث الناس بالتي تليها، وأولهن نقضاً الحكم، وآخرهن الصلاة»، إنَّ أدعياء التقدُّم اليَوم يُمارسون جبروتهم السياسي والديني على شقيقتهم قطر، فها نحنُ نقترب من موسم الحجّ ونجد أنَّ السعوديَّة تستمرُ بجبروت في ممارسة تضييقاتها على حُجاج قطر ومُعتمريها، ولستُ أدري هل هذا نوعٌ من العلمانيَّة الجديدة أم تصنيفٌ جديد لمسلمي قطر وفقًا للنظرة السياسية اللادينيَّة التي تنتهجها السعودية وأخواتها من دول الحصار؟!
إنَّ اللجنة الوطنية لحقوق الإنسان قامت مشكورةَ مؤخرًا برفع شكوى إلى المقرر الخاص بالأمم المتحدة المَعنِّيِّ بحرية الدين والعقيدة بشأن التضييقات السعودية على الحجاج والمعتمرين القطريين، وإنَّي أعتقد أنَّ تدويل هذه القضية الحساسة أمرٌ منطقي وهام خاصةً أنَّ الأزمة وصلت لمنطقة ضيقة جدًا أصبحَ فيها مبدأ الحوار عقيمًا فآذانِ وذممِ المُحاصِرين لنا صار بها صممٌ وعُتهٌ عظيم، فهؤلاء حاولوا أن يسيسوا الشعائر الدينية ويستخدموها لتحقيق مكاسبهم السياسيَّة غير عابئين نهائيًا بانتهاكهم للأعراف والمواثيق الدوليَّة التي تنُص كما تنص (علمانيتهم السَمجاء) على حُريَّة ممارسَة الشعائِر الدينيَّة، وقد حاولوا قبلها وفشلوا في أن يُرضخوا قطر كي تتَبِعهُم في ضلالهم الذي جعلهُم يُأسلِموا العلمنة ويُعَلمنوا الإسلام ويروجوا لتلك الأيديولوجيا لينزعوا الخِشيَة الحَشديَّة والجماهيريَّة من العلمانيَّة التي تعتبرها الحشُود العاقلة المستنيرّة نبتَةً غربيةً أصيلة يُراد فرضُها قسرًا على الديار المسلمة.
يقولُ المفكر الدكتور عماد الدين خليل: «إنَّهُ في ظلال المجتمع العلماني يتمزق الإنسان بناءً على تمزق مصيره، وتزدوج شخصيته اعتمادًا على الثنائية التي اصطنعها بين المادة والروح، والجُدران التي أقامها بين تجربتي الحِسّ والوِجدان، والجَفاء الذي باعد به زيفًا بين عالمَي الحُضور والغياب، بين ما هُو قريبٌ ومرئي وما هٌو بعيدٌ لا تراه العيون، والتصور الذي يصدُرُ عنه ذلك الإنسان لا يُوائم بحال بينَ العلاقات المُعقدة المتشابكة التي تحكم الكون والعالم والحياة، بل هو تصورٌ يفصِل بالقَسرِ والعِناد بينَ هذه العلاقات جميعها، يمزقها تمزيقًا، ويعمل فيها تقطيعًا وتشويهًا، فتغدُو طاقات الكون والإنسان والحياة وما بينها جميعًا من وشائج وارتباطات -تغدُو في حِسٍ العلماني وتُصوِرَهُ فوضى يسودها الانفصال والصداء والجفاء؛ فالدين يتناقض مع العلم، والفلسفة العقلية ترفض التشبث الطبيعي بالواقع الملموس والمذاهب الطبيعية لا تُلزم نفسها بقيم خُلُقيَّة أو إنسانيَّة»، إنَّ حكومات دول الحصار أصيبت بانحرافٍ وغَبَش في تصورها للإسلام ووضعت نفسها في مأزقٍ كبير فالعلمانيَّة ليست رفاهيَّةً وامتيازًا إنما هي تحقيقٌ لسياسات الغرب (أعداء الإسلام -الظاهرون والمتسترون-) والتي تطمحُ في تغييب سُلطة الدين القويم عن واقع الحياة المسلمة، فتلك الشعوب التي تجد نفسها اليوم تحت وطأة حُكّام مسلمين يتباهون بعلمانيتهم سيعانون قريبًا من حُزنٍ وتمزُقٍ وازدواجيَّة، فالإنسان العلماني يجد نفسهُ متناقضًا عندما يرسم لخطوطٍ ودوائر منفصلة يُقسِّم بها فعاليات حياتية المختلفة ويحاول جاهدًا أن يُشَكِّل مصيره وفقًا لتلك القطاعات المنفصلة وبطريقة منعزلة تمامًا عن باقي الفعاليات والمناشط الأخرى في حياتِه، فيجد حياته رُقعًا ممزّقَة لا يشُدُّها ولا يجمعها رباطٌ أو مصير.
إنَّ الواقع الخليجي يُنذرُ بخيبةٍ وفوضى كبيرة إذا ما استمرَّ الوضعُ على ما هو عليه، وإنِّي في هذا المقام وقد كثُر الكلامُ والمَلام ومُلئت القلوب كثيرًا من الظُلم والجبروت؛ أسأل الله لنا وللجميع الهداية والرشَادّ والثبات على الحق. قال اللهُ تعالى في سورة الزُمُر: «قُلْ أَفَغَيْرَ اللَّهِ تَأْمُرُونِّي أَعْبُدُ أَيُّهَا الْجَاهِلُونَ * وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ * بَلِ اللَّهَ فَاعْبُدْ وَكُن مِّنَ الشَّاكِرِينَ».

بقلم : خولة مرتضوي

خولة مرتضوي