كتاب وأراء

مراجعة الحق خير من التمادي في الباطل

مازالت الأزمة الخليجية تراوح مكانها ومازالت دول الحصار تقتات على ذات الخطاب الممجوج حتى ملته الأسماع. ودخلت الأزمة مرحلة الروتين والبرود ولم تعد موضوعا حارقا فقد استطاعت قطر تجاوز بعض المخلفات الجانبية لقرار الحصار وواصلت تقدمها السياسي عبر رسم خياراتها المقبلة التي تحدث عنها حضرة صاحب السمو أمير دولة قطر الشيخ تميم بن حمد آل ثاني. وقد يفهم المتابع منطق الممارسة السياسية إذا كانت محددة الغايات والأهداف وتتصرف في إطار الممكن السياسي من خلال التفاوض القائم على احترام سيادة الدول الأخرى.
أما أن يتم افتعال أزمة ثم يمارس مفتعلوها سياسة الهروب إلى الأمام دون قدرة على استشراف المستقبل أو إدراك انعكاساتها وطبيعة الأطراف المستفيدة منها فهذا من قبيل العبث السياسي أكثر من كونه قرارا مسؤولا صادرا عن عقل سياسي واع ومدرك لطبيعة المرحلة.
ربما نفهم محاولة البعض إثارة الأزمات من اجل تحقيق مكاسب اقتصادية أو استراتيجية مثلما تفعل الولايات المتحدة الأميركية، أما أن تتعمد دول أخرى محتاجة إلى تحشيد اكبر قدر من القوى الأخرى معها خاصة إذا كانت ترتبط معها بعلاقات الأخوة والجوار والتحالف الإقليمي، إلى إثارة خلافات غير مبررة فهذا علامة فشل وسوء تمثّل للمشهد السياسي. فالأنظمة السياسية الذكية هي التي تسعى إلى توطيد وشائج العلاقة مع جوارها الإقليمي لا أن تعلن الحرب ضدها، وأن تسعى إلى حل خلافاتها عبر الوسائل الدبلوماسية والحوار وليس عبر فرض الحصار وإطلاق العنان لحملات دعائية تفتقر للأدنى من أخلاقيات الإعلام.
والآن وقد وضّحت قطر موقفها على لسان حضرة صاحب السمو أمير دولة قطر الشيخ تميم بن حمد آل ثاني، وكانت حاسمة في رفضها منطق الإملاءات ومنفتحة للحوار الموضوعي البنّاء فإن منطق العقل يفرض على دول الحصار إعادة النظر في مواقفها، وإذا كانت بعض الدول هي في موقع التابع أفلا يفترض بدولة مثل المملكة السعودية أن تعيد حساباتها من جديد لإن وقائع الأحداث أثبتت بما لا يدعو للشك جملة من الحقائق الأساسية أولها أن موقع وكالة الأنباء القطرية تعرض للاختراق وأن الطرف الذي دفع لقرصنة الموقع وتمرير الأكاذيب أصبح مكشوفا في الساحة الدولية وأن ممارساته الإعلامية والسياسية مُدانة بكل المعايير الأخلاقية والسياسية. وثانيا فإن قطر تمارس ومنذ بداية الأزمة أقصى درجات ضبط النفس ولا تمارس السياسة بمنطق ردود الأفعال ولم تنجرّ بأي حال من الأحوال إلى أفعال انتقامية ولم تستهدف إيذاء جيرانها رغم قدرتها المؤكدة على فعل ذلك. وأخيرا فقد أثبتت سياسة الحصار عقمها وفشلها بل وعجزها عن تحقيق أهدافها المعلنة والخفية وهي زعزعة استقرار قطر، ولم يبق لدول الحصار من مبررات مقنعة سوى أوهام تتعنت في التمسك بها رغم يقينها أنها ليست سوى أكاذيب مختلقة.
إن استمرار الأزمة الخليجية بعد انكشاف كل هذه الحقائق لا يصبّ إلا في مصلحة أعداء المنطقة وخصومها وعلى رأسها الكيان الصهيوني الذي سخّر أدواته الإعلامية ولوبياته للنفخ في الأزمة ليحقق جملة من الأهداف أولها عزل المقاومة الفلسطينية عن محيطها العربي من جهة وبث مزيد من الفرقة في منطقة الخليج العربي ودفعها نحو مزيد التشظي والصراع خاصة وقد كانت تجربة مجلس التعاون الخليجي محاولة واعدة لخلق نوع من الوحدة العربية القائمة على التعاون المشترك خارج منطق الهيمنة والإلحاق. بالإضافة إلى الطرف الإيراني الذي تدّعي بعض دول الحصار أنها في صراع معه فإذا بها تركّز كل جهدها لمناكفة دولة عربية ولم تتخذ إزاء إيران مواقف شبيهة بما اتخذته تجاه قطر.
إن إصرار دول الحصار الثلاثي على مواقفها لا يعبر عن وعي بما تحتاجه المنطقة من تلاحم وتعاون بقدر ما شكّل انتكاسة حقيقية للجهود الساعية لترسيخ علاقات الأخوة والتعاون بين الشعوب العربية. وهذا ما يفرض على ذوي العقول في دول الحصار (إن وُجدوا) أن يحاولوا رأب الصدع والتراجع عن منطق الطيش السياسي. وقديما قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه «مراجعة الحق خير من التمادي في الباطل».

بقلم : سمير حمدي

سمير حمدي