كتاب وأراء

الأزمة الخليجية ونظرية الرجل المجرم لـ«لومبروزو»

إنَّ تطورات المسلسل الصَيفي للأزمة الخليجيَّة الراهنَة تُنذرُ بخطرٍ دوليٍّ كبير يُهدد دول الحصار لا غيرها؛ خاصة وأنَّ المجتمع الدولي أصبح واعيًا بحجم المكائد والمغالطات والخُرافات التي تفتعلُها تلك الكيانات دونَ أيِّ حُجَّةٍ وبُرهان، فهي التي ابتدأت حربًا مدججَة بأسلحة غير أخلاقيَّة وكانت ذخيرتُها الفبركات والقرصَنَة الإلكترونيَّة وافتعال الأزمات المتواترة ووشاية بالباطل ونسب تصريحات مفبركة، علاوةً على فرضِ حصارٍ ظالمٍ وجائر على شتت روابط التاريخ والدَمّ في المنطقة وتُنافِى مع كافة الأعراف والقوانين الدوليَّة، الأمر الذي وضَع هذه الدول تحت مجهرٍ دوليٍ حساس بعدما اتضح للرأي العام الدولي أنَّ لا منطقيَّة ولا حُجَّة حقيقيَّة وراء هذه الأزمة سوى كسر الإرادة الشعبيَّة وفرض الوصاية على دولة قطر تنفيذًا لمخططهم الشيطاني الشرير تجاه إدارة منطقة الخليج وتوجيهها نحو تأسيس شرق أوسط علماني جديد!
لقد حاولت دولُ الحصار باستِماتَة أن تُلفِّق الأكاذيب حول قطر وتدّعِي أنها تدعَم وتموِّل الإرهاب ورَّوَجَت عن قطر في وسائل إعلامها المسمومَة؛ على أنها متورطة بالكثير من المآسي التي يمُرُّ بها المواطن العربي في عصرِ التنوير السياسي أو بلفظٍ آخر في ظل ثورات الربيع العربي، هؤُلاء البلطجيين العلنيين حاولوا أن يروِّجُوا لصورة نمطية سلبية عن قطر، وأن يشبهوها تمامًا بنظريَّة عالم الجريمَة الإيطالي «تشيزري لومبروزو» الذي وضع أُسس لنظريات دراسة سلوك المجرمين، للوصول إلى اعتقادات تَثَبَّت للجميع أن المجرم وُلد ليكون كذلك، وفي الحقيقة هؤلاء لم يُقَدِّموا إلا تصورًا حقيقيًّا لأنفسهم المريضة المجرِمة والتي تنظُر إلى من يختلف عنها بعين المكر والخديعة والغدر، فالشاهد أنَّ السيناريو المجرم لتلك الدول كان مبنيًا على أهداف رئيسيَّة أهمها محو قطر من الوجود وذلك عن طريق: تشويه الصورة الدوليَّة لقطر والتي ستؤدي بحسب سيناريوهم الفاشل إلى فرض حالة من العُزلة السياسيَّة على البلاد عبر استمالة ورشوة عدد من الدول العربية والإفريقيَّة للانضمام لقطيع المحاصِرين، كما هدفوا فيما هدفوا إلى إقصاء دور قطر العالمي الذي تلعبُه بتفوقٍ وتمرُّس كوسيطٍ أخلاقيِّ ونزيه وذلك على الصعيدين الإقليمي والدولِيّ وتقويض دورها في حل القضايا وفضِّ النزاعات العالقة في المنطقة ومحاولة ضرب الاقتصاد والرؤى التنموية القطرية في مقتل كونها واحدة من أغنى دول العالم وأكثرها نماءً وثروة، قال العلامة ابن عثيمين رحمه الله: «ومن القواعد المعروفة المقررة عند أهل العلم: الحُكم على الشيء فرعٌ عن تصوره؛ فلا تحكمْ على شيءٍ إلا بعد أن تتصوره تصوُّرًا تامًّا؛ حتى يكون الحكم مطابقًا للواقع، وإلا حصل خللٌ كبيرٌ جدًّا»، وفي الحقيقة قد وقع الخللُ الأكبر الذي جاءَ بناءً على خللٍ عظيمٍ في التصور، فلا يمكن أن يكون هذا السيناريو المُجرِم إلا نتيجةً طبيعية لنفسٍ مجرمة غير مراعية لحدود الله في الإسلام والأخوة والجيرة وغير عابئة بسُلطة ونفوذ القانون الدولي الذي اخترقتهُ أيَّما اختراق في أقل من 60 يومًا!
قارئي العزيز؛ بئسًا للسياسة عندما تتحول إلى أقذار وعصابات غوغائيَّة، وبئسًا للأخوَّة عندما تتحول إلى شُحنة عاطفيّة خاوية لا خير من ورائها ولا منفعة سوى الجَلَبَة والمكر والعِداء، تُرى ما الذي جناهُ المحاصِرُون القائمون على اجتماع المنامَة غيرَ انكشاف مؤامرتهم الكُبرى وفضحها أكثر أمام الرأي العام العالمي وإضحاك الحشد الإعلامي والدول المعادية لكيان دول مجلس التعاون الخليجي أكثرَ فأكثر؟ تُرى ما الضمان الحقيقي الذي يُحققهُ النظام العلماني الذي تحلمُ بتنفيذِهِ دول الحصار في الشرق الأوسط ذو الغالبيَّة المسلمة السحيقة؟ ما الذي حققهُ هذا النظام من فضيلة على سبيل المثال عبرَ العصور ابتداءً من أبيقور في العصر اليوناني إلى توماس جيفرسون وجون لوك وفولتير في عصر التنوير الأوروبي وصولًا إلى مصطفى كمال أتاتورك في تركيا، انتهاءَ بالدول العلمانيّة الكبرى اليوم أمثال: كندا، الهند، فرنسا، الولايات المتحدة، وكوريا الجنوبية؟ عن أيِّ علمانيَّة يتحدث إخواننا المسلمون في دول الحصار؟ هل أصبح النظام الإسلامي بشموليته وعالميته قاصرًا عن تحقيق مبادئ العلمانية التي يرّوج لها الغرب اللاديني من عدالة اجتماعيَّة وحريَّة ومساواة وحضارة؟ هل كنَّا بحاجةٍ إلى أن يُنادي الرئيس الحالي لـمجلس الأمن الدولي؛ السيِّد ليو جاي وهو شخصٌ علمانيٌ غريبٌ عنى دينيًا وثقافيًا وعرقيًا إلى ضرورة التسريع في حلِّ الأزمة الخليجيَّة عن طريق الحوار بين دول الخليج وغيرها من بلدان الشرق الأوسط؟
إنَّهُ عطفًا على حديثنا حول نظريَّة عالم الجريمة «تشيزري لومبروزو» وعلاقتها الفلسفيَّة بالأزمة الخليجيَّة الراهِنَة وما تمّ فيها من اختراقات وافتراءات ونقائض للمعاهدات الثنائية والجماعيَّة التي أبرمتها دول الحصار والجرائم الكُبرى التي ُعاقب عليها القانون الدولي فإنَّ تحرُّك قطر في عددٍ من المحافل الدوليَّة لم يأتِ من فراغ، بل جاءَ استنادًا واحتكامًا للقانون الدولي، وذلك لمناهضة الحصار الجائر والانتهاكات المختلفة لحقوق الإنسان ومنها حَقُّهُ في الممارسة الدينيَّة والشعائريَّة وحقُّهُ في التمتُّع بالأمن والأمان بعد سلسلة من الجرائم الإرهابيَّة الإلكترونيَّة والدعوة الشعوبية التحريضيَّة من قبل دول الحصار ضدَّ قطر وشعبها، علاوةً على إغلاق تلك الدول للأجواء والتي تُعَدُّ انتهاكًا آخر لسلامة وأمن الطيران القطري واختراقًا للاتفاقيات الأساسيَّة المبرمة مع منظمة التجارة العالميَّة والمنظمة الدوليَّة للطيران الدولِيّ واتفاقيَّة شيكاغو، إنَّ هذه القضايا الكُبرى تجعل هذه الدول أمام طائلة من القضايا الدوليَّة التي يُعاقب عليها القانون الدولي وتفرِضُها قوانين النكث بالمواثيق والاتفاقيات التي تمّ اختراقها دون أيِّ عقلٍ وضمير، بقول الكاتب اللاتيني ذو الأصولِ العربيَّة بوبليليوس سيروس: «إنَّ من يتردد في إنزال العقاب يُضاعف عدد الأشرار»، ومما لا شكَّ فيه أنَّ شكاوى قطر ستضعُ حدًا قريبًا لكُل هذه الانتهاكات بإذنِ الله تعالى، والمؤسف حقًا أنَّ دول الحصار التي كانت ومازالت وستبقى شقيقة وضعت نفسها في دور المجرم والخاسر الأكبر بينما كانت تستطيع أن تبقى الحليف والسنَد الاستراتيجي القوي، لكنَّهُ الشيطان الذي أبى إلا أن يدخُل بين النفوس ويجعل هذه الدول في مصافِ المدمّرين ذاتيًا والخاسرين دوليًا والملزمين بحسب القانون الدولي وميثاق الأمم المتَّحِدَة برفع الحِصار والتراجُع عن كُل الإجراءات التي تمّ اتخاذها دون التزام، مع تحملها المسؤولية كاملةً عن كل تلك الجرائم والانتهاكات. يقولُ الله تعالى في سورة النساء: «وَلَا تُجَادِلْ عَنِ الَّذِينَ يَخْتَانُونَ أَنْفُسَهُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ مَنْ كَانَ خَوَّانًا أَثِيمًا * يَسْتَخْفُونَ مِنَ النَّاسِ وَلَا يَسْتَخْفُونَ مِنَ اللَّهِ وَهُوَ مَعَهُمْ إِذْ يُبَيِّتُونَ مَا لَا يَرْضَى مِنَ الْقَوْلِ وَكَانَ اللَّهُ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطًا * هَا أَنْتُمْ هَؤُلَاءِ جَادَلْتُمْ عَنْهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فَمَنْ يُجَادِلُ اللَّهَ عَنْهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَمْ مَنْ يَكُونُ عَلَيْهِمْ وَكِيلًا * وَمَنْ يَعْمَلْ سُوءًا أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللَّهَ يَجِدِ اللَّهَ غَفُورًا رَحِيمًا * وَمَنْ يَكْسِبْ إِثْمًا فَإِنَّمَا يَكْسِبُهُ عَلَى نَفْسِهِ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا * وَمَنْ يَكْسِبْ خَطِيئَةً أَوْ إِثْمًا ثُمَّ يَرْمِ بِهِ بَرِيئًا فَقَدِ احْتَمَلَ بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا * وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ وَرَحْمَتُهُ لَهَمَّتْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ أَنْ يُضِلُّوكَ وَمَا يُضِلُّونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ وَمَا يَضُرُّونَكَ مِنْ شَيْءٍ وَأَنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ وَكَانَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيمًا»، اللهُمَّ لم شمل دول الخليج العربي واهدِهِم وأبعد عنهم الفتن والفُرقة والأيادي العابثة.

بقلم : خولة مرتضوي

خولة مرتضوي