كتاب وأراء

الأزمة الخليجية .. حصار أم خلاف فلسفي؟

عندما قدّمت دول الحصار الثلاثي قائمة مطالبها الثلاثة عشر لدولة قطر لم تكن تعبّر إلا عن رغبة معلنة لإخضاع هذه الدولة وشعبها والتعامل معها كقاصر عن إدارة شؤونها، فالمطالب التعجيزية لم تخرج عن دائرة الأوامر بل وكانت أشبه بشروط المنتصر في حرب وهمية لم تحدث إلا في أذهان أصحابها.
أما وقد انقلب السحر على الساحر وفقدت الأنظمة التي تقف خلف الحصار كل مبرّراتها السياسية والأخلاقية لتبرير حصارها وانكشف زيف مطالبها أمام الشعوب العربية والإسلامية والمجتمع الدولي بأسره فقد خرج علينا سفير أحد أنظمة دول الحصار الثلاث بالحديث عن جذور الحصار الكامنة في ما سماه خلافا فلسفيا! مؤداه أن هذه الدول ترغب في رؤية شرق أوسط جديد تحكمه أنظمة علمانية قوية خلافا لقطر التي تتبنى رؤية مغايرة.
وبعيدا عن مناقشة مدى مشروعية استخدام لفظ فلسفي لتبرير خلاف سياسي، فإن المراقب الموضوعي يدرك أن الأزمة إن كان لها جذور فكرية فهي لا تكمن في قضية فلسفية يكون الجدل حولها في المجلات المتخصصة وليس عبر آليات الحصار والهجمات الإعلامية. فموطن الخلاف – متى احتكمنا للعقل – يكمن في قضايا ثلاث:
أولها: حالة من الشعور بالإحباط التي تعتري دول الحصار إزاء النجاحات القطرية في مجالات مختلفة، ومن خلال سياسات حكيمة ورؤية استراتيجية سليمة تمكنت قطر حكومة وشعبا من بناء نموذج تنموي ناجح يستهدف الرقي بالإنسان من خلال التعليم والثقافة وبسط الحريات وتوفير أسباب جودة الحياة، خلافا لما نلاحظه لدى دول الحصار.
ثانيا: كانت السياسة القطرية واضحة في تعاملها مع المشهد العربي في قضاياه الحارقة الثلاث وأعني بها قضايا الديمقراطية والمقاومة والإرهاب. فقد انحازت دولة قطر للشعوب بعد ثورات الربيع العربي ورفضت التخندق في مساحة الاستبداد أو الدفاع عن أنظمة العسكرتاريا الانقلابية التي تمارس القمع بحق شعوبها خلافا لأنظمة الجوار التي تدعي محاصرتها. وفي الموقف من الإرهاب كان واضحا ومن خلال خطابات صاحب السمو الشيخ تميم بن حمد آل ثاني أمير دولة قطر المفدى، أن قطر تسعى إلى حصر الظاهرة ومعالجتها من جذورها عبر التأكيد أن أسباب الظاهرة تكمن في الفقر والجهل والاستبداد والقمع الذي يتم تسليطه على الشعوب وأن حل هذه الأزمات كفيل بحصر الظاهرة في حدها الأدنى بما يكفي لاستئصالها من خلال جهد دولي مشترك يحترم سيادة الدول وخصوصياتها. أما المقاومة فقد أوضحت قطر أنه من الخطأ تصنيف حركات التحرير الوطني ضمن خانة الإرهاب وأنه ينبغي التعامل معها بوصفها رد فعل طبيعي على الاحتلال. خلافا لدول الحصار التي تحاول حشر حركات المقاومة في الزاوية ووصمها بالإرهاب وفي المقابل تتعامل خفية مع قوى الإرهاب الحقيقي.
ثالثا: إن محاولة خداع الرأي العام وتصوير الأزمة على أنها خلاف حول طبيعة النظام السياسي ودرجة التزامه بالعلمانية، إنما يظل نوعا من المغالطة المكشوفة التي تثير السخرية. فأنظمة الحصار الثلاث تدّعي أمام شعوبها أنها ليست علمانية بل أن بعضها يستمد وجوده السياسي من خلال تلبّس الدولة برداء الإسلام وحراسة الدين، ومن ناحية أخرى أي علمانية يدعيها هؤلاء إلا إذا كان قصدهم تبرير الاستبداد السياسي ومحاربة نزوع الشعوب نحو الحرية والديمقراطية وهو ما يمكن استنتاجه بسهولة من خلال دعمها للثورات المضادة وتحالفها المعلن مع أنظمة استبدادية عسكرية مغلقة.
إن جذور الخلاف بين قطر ودول الحصار الثلاث ومن تابعها إنما يكمن في طبيعة الرؤية السياسية التي يتبناها كل طرف، أي بين قطر التي تتبنى السياسات العقلانية وتدعم الحريات وتبذل الجهود لدعم الشعوب من خلال جمعياتها الخيرية والإغاثية وفي تصديها للإرهاب الأعمى وفي المقابل تنفتح على قوى التحرر الوطني وبين أنظمة دول الحصار التي تحارب كل نفس تحرري ولا تؤمن بالحوار والتنوع وترفض كل سياسة تغاير توجهاتها المغلقة التي هي نتاج للرؤية الأحادية التي تتوخاها في تعاملها مع المنطقة والعالم وهذا ما أفقدها البصيرة وقديما قيل «من استبد برأيه عميت عليه المراشد».

بقلم : سمير حمدي

سمير حمدي