كتاب وأراء

الإقامة الدائمة مدخلاً لتصحيح الخلل السكاني

في سابقة تعد الأولى خليجياً وعربياً، وافق مجلس الوزراء القطري على مشروع قانون، يمنح بطاقة الإقامة الدائمة، لـ3 فئات من غير القطريين، هي: 1 - أبناء القطرية المتزوجة من غير القطري. 2 - الذين أدوا خدمات جليلة لدولة قطر. 3 - أصحاب الكفاءات الخاصة التي تحتاج إليها دولة قطر.
وتمنح بطاقة الإقامة الدائمة حامليها عدداً من الامتيازات: معاملتهم معاملة القطريين في مجالات التعليم والخدمات الصحية، فِي المؤسسات الحكومية.
كما تمنحهم الأولوية في التعيين، بعد القطريين، في الوظائف العامة: العسكرية والمدنية بدولة قطر، وبالإضافة إلى ذلك، يكون لحامل البطاقة: الحق في التملك العقاري، وفي ممارسة أنشطة تجارية بدون شريك قطري، وذلك وفقاً للقرارات التنفيذية التي سيصدرها مجلس الوزراء وفقاً لأحكام هذا القانون، وتنشأ بوزارة الداخلية لجنة دائمة تسمى لجنة منح بطاقة الإقامة الدائمة تختص بالنظر في طلبات منح بطاقة الإقامة الدائمة، وفقاً للقانون.
تأتي هذه المبادرة المتقدمة حقوقياً على المستويين: الخليجي والعربي، ترجمة لخطاب سمو أمير دولة قطر في 21-7-2017 الذي ثمن فيه الروح التضامنية الأخلاقية للشعب القطري، أثناء الأزمة، كما أشاد سموه بكل من يقيم بأرض قطر، إذ أصبح ناطقاً باسمها.
جاءت المبادرة غير المسبوقة خليجياً، تقديراً من القيادة السياسية للموقف الأخلاقي الرفيع للمقيمين على أرض قطر، وسعياً لتفاعل بناء للخبرات القطرية، بالخبرات العربية والأجنبية المقيمة، وجذباً للمزيد من الاستثمارات الخارجية، الهادفة إلى تقليل الاعتماد النفط، وتنويع مصادر الدخل، وتعزيزاً للجبهة الداخلية، وكان صاحب السمو الأمير قد ذكر في خطابه، أن قطر بحاجة لجهود الجميع، مواطنين ومقيمين، في بناء اقتصادها وحماية أمنها.
وفي هذا السياق الانفتاحي، يفسر إعلان وزارة الداخلية القطرية، إعفاء مواطني 80 دولة من تأشيرة الدخول، بهدف تنشيط صناعة السياحة والطيران القطري.
هذه الخطوات المتقدمة، وإن جاءت في سياق الأزمة الخليجية بين قطر وشقيقاتها الأربع، إلا أنها تسهم في رفع مكانة قطر دولياً كنموذج منفتح داخلياً وخارجياً، ومتسامح مع كافة المكونات السكانية، وكذلك تعزز رصيدها على صعيد احترام حقوق الإنسان والكرامة الإنسانية.
وفضلاً عن المنظور الحقوقي الإيجابي لمشروع قانون منح الإقامة الدائمة للفئات الثلاث، فإن لهذا الإجراء، منظوراً آخر، أكثر أهمية، هو منظور إصلاح خلل التركيبة السكانية، فالقطريون أقلية، وسط طوفان بشري يتزايد يوماً بعد آخر، وهاجس الخوف على الهوية الوطنية، يتعاظم، لذلك فإن منح الإقامة الدائمة لهذه الفئات الثلاث، وأضيف إليها(مواليد قطر) ممن أمضوا عشرين عاماً، هذه الفئة التي أدعو مجلس وزرائنا إلى إضافتها إلى الفئات الثلاث المدرجة في مشروع القانون، يشكل، في تصوري، الرافد الطبيعي، لتعزيز الهوية الوطنية، وإصلاح الخلل السكاني.
من الأولى والأجدر والأكثر استحقاقاً، بالإقامة الدائمة، بل والجنسية لاحقاً، من هؤلاء الأبناء الأعزاء، أبناء قطر، الذين ولدوا على أرضها الطيبة، ونشأوا على ترابها، وتعلموا في مدارسها، ورضعوا الانتماء إليها، وتشربوا إرثها الثقافي وهويتها وعاداتها وتقاليدها، ولا يعرفون وطناً سواها؟ هم الرافد الأثمن (اجتماعياً) والأسلم (أمنياً) لتعزيز الهوية وتصحيح التركيبة السكانية.
إن المخاوف التي يثيرها بعض (حراس الهوية) من منح الإقامة الدائمة لغير القطريين، مخاوف لا أساس لها، منطلقها إرث تعصبي، لا وزن له في عالم سقطت فيه الحواجز بين البشر، وقطر بالانفتاح الخارجي على شعوب العالم، وبالانفتاح الداخلي على كافة المكونات السكانية، أكثر قوة وحيوية وصموداً في مواجهة التحديات والمخاطر، وهويتها أكثر رسوخاً، ومكانتها الدولية، أكثر إشراقاً لدى المنظمات الحقوقية الدولية.
مشروع القانون الجديد، وإن لم يصل إلى مرحلة منح الجنسية، كما في الدول المتقدمة، إلا أنه إجراء يمثل نقلة نوعية في منطقة الخليج، يمنح المقيمين ممن يحصلون على الإقامة الدائمة، الاستقرار النفسي، والطمأنينة والأمان الوظيفي، مما ينعكس إيجاباً، في تعزيز مشاركتهم، في خطط التنمية والبناء، كما يسهم، من جهة أخرى، في تصحيح أوجه الخلل السكاني، وتحصين الجبهة الداخلية، وبخاصة أن القطريين أصبحوا أقلية في محيط بشري يشكلون 90 % من السكان.
ختاماً: رحب القطريون بالقرار، وحظي وسم # بطاقة الإقامة الدائمة بالأعلى متابعة، فور صدوره، ويبقى العمل على تسريع صدور القانون، وإنشاء اللجنة المختصة بتلقي الطلبات، ولكن من المهم، أن تكون هناك معايير موضوعية واضحة لمنح بطاقة الإقامة الدائمة، كما ينبغي أن يملك المتظلم حق الطعن.

بقلم : د.عبدالحميد الأنصاري

د.عبدالحميد الأنصاري