كتاب وأراء

الحصار وحلم التكامل الخليجي الشامل

إنَّ مجلس التعاون لدول الخليج العربيَّة كانَ ومازالَ أحدَ الظواهِر الدُوليَّة المُركَبَة والمتجانسَة في نفس الوقت؛ سياسيًا واستراتيجيًا واقتصاديًا حيثُ شهَدَ منذُ إنشائِهِ سنَة 1981م العديدَ من القفزَات الناجِحَة على مختلف الأصعدَة؛ السياسيَّة والاجتماعيَّة والاقتصاديَّة، وسعى إلى تحقيقِ جُملةٍ من الأهداف النبيلَة التي أجهضَتها رُعُونَة دُوَل الحِصار والتي مزَّقت نسجَ الأخوَّة التي ربطت هذا الكيان لعقودٍ من الزمن، وبددت أهداف المجلِس التي أقرتها المادَّة الرابعة من نظامِهِ الأساسي والتي كانت تتطلعُ إلى التالي: أولًا: تحقيقِ التنسيق والتكامُل والترابُط بينَ الدُوَل الأعضاء في جميع الميادين؛ وصولًا إلى وحدتها، والواقع يُخبرنا عن أيِّ ترابطٍ وتنسيق اهتمت بهِ دول الحصار عندما لم تحترِم سيادة دولة قطر وأملت عليها عددًا من الشروط والمطالب غير المنطقيَّة وغير القابِلَة للتنفيذ، كما أنَّ قطر لن تُغلِق أبوابها لتُسَلِّم مفاتيحها ليَد دُوَل الحصار لكي تفعَل بها ما تشاء، فقد أُوهِمَ الأشقاء المُحاصِرون بوهمٍ كبير في زمنٍ كَثُرَت فيه موضَة الدُوَل التي تبيع سيادتها لتُصبِحَ تابعة رُغمَ استقلالِها الرسمي لتقَع بكُل استسلام تحتَ تأثيرِ كيانٍ سياسيٍ واقتصاديٍ وعسكريٍ هائل أو حتى تنضوي بخشوع تحتَ سيطرَة دولة أو دُوَل أُخرى، لكن هيهات؛ فدولة قطر ليسَت جُرمًا يدورُ في أفلاكِ الأجرامِ الخليجيَّة الأخرى، بل هي كوكبٌ دُرِّي موقودّة من إيمانٍ وعزيمة ترفُض الخضوع والمَهانَة.
ثانيًا: طمَحَ مجلس التعاون إلى تحقيق هدف؛ تعمِيق وتوثِيق الروابِط والصِلات وأوجُه التعاون القائمة بين شعوب دول الخليج العربيَّة في مُختلف المجالات، وفي الحقيقَة كان هذا الهدَف من أسهَل وأيسَر الأهداف التي وضعها المجلس لتحقيقِها، خاصةً أنَّ النُظُم والتقاليد والطِباع في منطقة الخليج تتشابَه بشكلٍ كبير، ويُمكن القول أنَّ الدين الإسلامي الذي يدينُ بِهِ سُكان هذه المنطقة بنسبة (100%) تقريبًا هو من أكبر العوامل التي جمعَت هذه المجتمعات في نسيجٍ واحد، فالوِحدة الدينيَة جعلت هذا المجتمع الخليجي يظفر بعامل قوة كبير يجعلهُ متماسكًا أمام مختلف التحديات، لكن كان هذا الهدف السهل البلوغ والسهل الاستمرار أول الأهداف التي هُتكت جراء الحصار الفاجر، حيثُ قامت دول الحِصار بتطبيق هذا الرباط الديني بشكلٍ غريب ومُستهجَن، حيثُ حُرمنا فجأةَ من حقِنا الشرعِي في ممارسة الشعائر الدينية، وتمّ التحريض على كراهيتنا والعٌنف بنا، إنَّ الإسلام ليسَ كلمةً تُـقال باللسان فحسب؛ بل هُو اعتقادٌ وقولٌ وعمل، إنَّ ذلك المنحى الحادّ الذي اتخذتهُ تلك الدول؛ أدّى إلى تفجير الفتائل والقلاقل في مجتمعاتها، والتي أدَّت تدريجيًا إلى اضطراب اجتماعيِ كبير ونزاعات داخلية أكبر فيها، حيثُ فرَضَ الحصار شكلًا جديدًا لمجرى الحياة في المجتمع الخليجي وحاوَلَ تفكيك تماسُك المجتمع وترابُطَه، وأدَّت قرارات دول الحِصار إلى تشتيت شمل مئات الأسر الخليجية، وانتهاك حقهم الطبيعي في التعليم والعمَل والصحَة والتنقُل والإقامة والتمَلُك وحُريَة الرأي، وانتهى بنا الحال إلى توظيف الحج سياسيًا للضغط على قطر، وعَرقَلَة نحو 1.5 مليون مُسلم في دولة قطر عن أداء حُقهم في ممارسة شعائرهم الدينية. ووفق آخرِ إحصاءٍ للجنة الوطنية لحُقوق الإنسان في دولة قطر، فقد تضرَرَ من تلك الإجراءات بشكلٍ مًباشر أكثَرَ من 13 ألفًا و314 شخصًا، وانتُهكت حقوق أكثَرَ من 2450 من مواطني الدُوَل الخليجية الأربع، ضاربة دول الحصار في ذلك كُل العهُود الدوليَّة الخاصَة بحقوق الإنسان والحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية، والمدنية والسياسية؛ عُرضَ الحائط، غير معتبرة إلا لذلك الشيطان الذي خرجَ فجأةً من ثيابها معلنةً إضراب نار تحرقُها في الأول والأخير!
ثالثًا: نصَت كذلك أهداف المجلس على هدَف؛ «دفِع عجَلَة التَقَدُّم العِلمِي والتِقَني في مجالاتِ الصِناعة والتَعدين والزِراعة والثَروات المائيَة والحيوانيَة، وإنشاء مراكز بُحُوث علميَة، وإقامَة مشاريع مُشتركة، وتشجِيع التعاونِ بالقطاع الخاص، بما يعُودُ بالخير على شُعُوب دوَل الخليجِ العربية»، وكانَ المجلِس الأعلى وهو أحَد الأجهزة الرئيسيَّة الثلاثَة التابِعَة لمجلس التعاون لدول الخليج العربيَّة؛ قد أقرَّ في نوفمبر 1981 الاتفاقيَّة الاقتصادِيَّة المُوَحَدَة لتحديد مراحِل التكامل والتعاوُن الاقتصادي بينَ دول المجلِس والتي شملت على: تحقيق التكامل الاقتصادي بين دول المجلس وفق خطوات مُتدرجة، تقريب وتوحيد الأنظمة والسياسات والاستراتيجيات في المجالات الاقتصادية والمالية والتجارية، وربط البُنى الأساسية بدول المجلس، لاسيما في مجالات المواصلات والكهرباء والغاز وتشجيع إقامة المشاريع المشتركة، وكما ترَى عزيزي القارئ فإنَّ الآمال والطموحات الكبيرَة كانت معقودَة على المسَار اللاحِق بالتنميَة الاقتصادية والصناعية بشكل كبير، وهُنا أستشهِد بمقولة للخبير الاقتصادي البلجيكي؛ روبرت تريفين حيثُ قال فيها: «إنَّ الاتحاد النَقدِي هو مسألة سياسية أكثَر منها اقتصادية، لأنَّ الدوافِع باتجاهها، والعَقَبات في سبيلها، هي بشكلٍ أساسي ذاتَ طبيعة سياسية، فالإرادة السياسيَّة هي بالتالي شرطٌ مُسبق لأي تكامل اقتصادي ونقدي»، وهكذا يا سادَة؛ فرَّقت سياسة دول الحصار بينَ اتجاه دول الخليج نحو اللقاء السياسي والاقتصادي والتِقانِي المشترك وبدَدَت تلك الضمانة القويَّة نحو التكامل الاستراتيجي بينَ عناصِرها المُتشابهة، واليوم أصبحَت هذه المنطقة مكشوفة للأعداء بفضل ما جناهُ المحاصِرون، فلا وُجودَ لسياجِ يحفظها من مكرِ بعضِ المراهقين سياسيًا ولا تخطيط تعاوني مُحكَم يتمّ تنفيذُه بسبب اتباع هذه الدول لسياسَة الباب المُغلَق ورفض الحوار رفَضًا تامًا والاتكاء التامّ على جهود الوساطة التي تأخذ من العُمرِ عُمرًا.
قارئي العزيز؛ إنَّه وفقًا للنظريَة الليبراليَّة الجديدة وهي إحدى النظريات المُفسِرة في حقل العلاقات الدوليَّة؛ فإنَّ انعدام الرغبة في المنفعَة والمكاسِب المتبادلة، وترى هذه النظرية أنَّ المُؤسسات (الإقليمية-الدولية) تُنظِم المصالح بين الدول وتضعها في ترتيبات تعاونية فيما بينها، كما أنها تُساعد في التخفيف من الفوضى في النظامين الإقليمي والدولي، وتؤدي مشاركة الدول في المنظمات الدولية إلى تشجيع التعددية والتعاون كوسيلةٍ لتأمين المصالح الوطنية وتساعد في التغلب على معوقات تحقيق الاعتماد المتبادل، وهكذا جاءَ مجلس التعاون لدول الخليج العربيَّة ليُنظِم المصالح بين دول المجلس ويكون وسيلةً لتأمين مصالحها الوطنية المشتركة ويضعُها في ترتيبات تعاونية فيما بينها وذلك بسبب وُجود مصالح متبادَلة فيما بينها الأمر الذي سَهَّلَ تحقيق حُلم التعاون الخليجي الذي تجلّى في التعاون والتواصل والمبادرات الاقتصادية والسياسية والثقافية والأمنيَة والعسكريَّة المشتركَة، وإنِّي أجد أنَّهُ للاستمرار في تحقيق هذا الحُلم الخليجي الجميل فإنَّهُ على دُول الحصار أن تلتزِم وتمتثِل بقواعد التعاون وأن تحترِم الثقة المُعطاة لها وأن تتعامل من خلالِه، لا من خلال الأوهام والضغائن والأحقاد، فإذا حققنا هذه الدرجَة الطموحَة العالية من الترابُط سيُؤدِي بنا الحال إلى تحقيق مزيدٍ من الاستقرار المحلي والدولي والإقليمي.
إنَّ المواطِن الخليجي كان يحلُم طوال ما يزيدُ عن ستٍ وثلاثينَ عامًا وهو عُمر مجلس التعاون لدول الخليج العربيَّة في تحقيق حُلم التكامُل الخليجي الشامِل الذي طمحَ هذا التكتُل إلى تنفيذه على مدار سنواتٍ وسنوات، ورُغمَ الكثير من الفجوات التي كُنا نلاحظُها بين قرارات القمم الخليجية وطموحات شعوب هذهِ المنطقة في التكامُل والوحدة، إلا أنَّ الحُلم كانَ مستمرًا، وكانت القُلوب الأخوية في هذه المنطقة تتطلع بشوق لفجرٍ جديد للمنطقة ولأبنائهم وأحفادهم وسط تصاعُد التحديات السياسيَّة والاجتماعيَّة والاقتصادية والتنموية في منطقة الشرق الأوسط، وكانت شُعوب هذه المنطقة تتغنى بأهزوجة «خليجِنا واحد، مصيرنا واحد، وشعبنا واحد، اللهُ أكبر يا خليج ضُمِّنا، أنا الخليجِي...أنا الخليجِي وأفتخر إنِّي خليجِي والخليج كِلَّه طريجي...تِبارَك خَليجِنا.. تِبارَك بعِزّ وهَنا»، أمَّا اليوم تجد أنَّ هذا المواطن عادَ بأحلامِهِ إلى نُقطة الانطلاقة، وأصبحَ دُعاء اليوم أن يجتمع شمل أبناء الخليج وألا ينهار كيان مجلس التعاون لدول الخليج العربيَّة؛ هذا التكتُل الدولي الذي حظِي بمكانة رفيعة في وجدان مواطن هذه المنطقة، فاللهُمَّ حصِّن مجتمعاتنا ولِمّ شمل دول الخليج العربية واحقن دماء المسلمين في كُل مكان، وأعلِي رايَةَ الحَقِّ والدِين، ولا تُشَمِّت بِنا الأعداءَ والحاسِدِين.
بقلم : خولة مرتضوي

خولة مرتضوي