كتاب وأراء

السعودية وظفت ملف الحجاج القطريين لتحقيق أجندتها التآمرية ضد قطر

«مكرمة الحج» ..أهــدافــهــا ســيــاســيــة أغــراضـهـــا دعـــائــيــــة

«مكرمة الحج» ..أهــدافــهــا ســيــاســيــة أغــراضـهـــا دعـــائــيــــة

لو كانت الرياض تحترم خيار الوساطة لتجاوبت مع «الوساطة الكويتية» المدعومة دوليا


يتوافد المسلمون من مشارق الأرض ومغاربها إلى «بيت الله الحرام» لأداء مناسك الحج، مجردين من كل انتماء، إلا انتماءهم الوثيق لدينهم الإسلام.
.. ويتجهون إلى خالقهم، من كل فج عميق، ملبين النداء الإلهي:
«لبيك اللهم لبيك، لبيك لا شريك لك لبيك، إن الحمد والنعمة لك والملك لا شريك لك».
يقولونها بقلوب صافية تنشد السلام، ونفوس صادقة تهفو إلى الوئام.
.. وفي ذروة الخصام المفتعل بين الدوحة والرياض، أعلنت السعودية عن «مكرمتها الملكية»، المتمثلة في السماح للحجاج القطريين بأداء مناسك الشعيرة العظيمة، لكنها ربطت قرارها بوساطة مزعومة، نسبتها إلى أحد شيوخ آل ثاني الكرام، الذي حل في الديار السعودية، لحل بعض الأمور الخاصة المتعلقة بممتلكاته في «حائل»، لكن «المملكة» نفخت في زيارته الشخصية، عبر أبواقها، الكثير من الكلام!
.. ما من شك في أن السعودية، من خلال ترويجها لخبر «الوساطة الملغومة»، تدين نفسها بنفسها، لأنها لو كانت تحترم خيار الوساطة لحل أزمتها المفتعلة مع قطر لتجاوبت هي وتوابعها مع «الوساطة الكويتية»، التي يقودها «حكيم الخليج» وشيخها الجليل، سمو الشيخ صباح الأحمد الجابر الصباح، أمير دولة الكويت الشقيقة..
.. هذه الوساطة التي انطلقت من «وطن النهار»، منذ الساعات الأولى لاندلاع شرارة الأزمة الخليجية، مدعومة إقليميا ودوليا وأمميا، حيث يدعو لها المجتمع الدولي بكل مكوناته، باستثناء دول «التحالف الرباعي»!
.. والمؤسف أن السعودية استخدمت شعيرة الحج لخدمة أهدافها السياسية، وترويج أغراضها الدعائية، ووظفت ملف الحجاج القطريين لتحقيق أجندتها التآمرية ضد قطر، وضد نظامنا السياسي، عبر محاولتها شق صفوف جبهتنا الداخلية، الملتفة حول «قائد الوطن»، حضرة صاحب السمو الشيخ تميم بن حمد آل ثاني، أمير البلاد المفدى، حفظه الله ونصره على كافة الأعداء.
.. ولو كانت الرياض صادقة في نواياها لحل معضلة الحجاج القطريين لتعاملت بشكل مباشر مع حكومتنا، عبر مؤسساتها الرسمية ووزاراتها المعنية المختصة بشؤون الحج.
.. ومن الواضح أن السعودية تحاول استغلال التجمع السنوي الأكبر للمسلمين لتحقيق مكاسب سياسية مكشوفة، عجزت عن تحقيقها منذ افتعال أزمتها المفتعلة مع الدوحة.
.. وكان ينبغي على «المملكة» إبعاد الحج عن كل ما يخالف غاياته السامية، وتوجهاته السماوية، وعدم استغلاله سياسيا كورقة ضاغطة أو رابحة ضد قطر.
لقد استخدمت الرياض الحج لتصفية حساباتها السياسية مع الدوحة، وحاولت استغلال العواطف الدينية الجياشة لدى القطريين تجاه «بيت الله الحرام» لتحقيق مشاريعها السياسية المكشوفة، التي تستهدف، فيما تستهدفه، إحداث انشقاق وانقسام في صفوف المجتمع القطري.
.. وما من شك في أن الادعاء بمنح القطريين «مكرمة ملكية» بناء على «وساطة» أحد شيوخ آل ثاني الكرام، دون التواصل الرسمي مع الحكومة القطرية، ودون الاتصال المباشر مع قيادتنا الرشيدة، يمثل استهدافا ما بعده استهداف لجبهتنا الداخلية، بهدف شق صفوفها المتراصة المترابطة، الملتفة حول «قائد الوطن تميم المجد».
كما أنها تشكل استخفافا ما بعده استخفاف بقيم وثوابت الشعب القطري، الملتزم بدستوره الوطني، الذي ينص في مادته الثامنة على أن حكم دولتنا «وراثي»، يتسلسل في ذرية الشيخ حمد بن خليفة بن حمد بن عبدالله بن جاسم آل ثاني حفظه الله.
.. والملاحظ أن التعاطي السعودي مع ملف حجاج قطر اتسم بمزاجية واضحة وانتقائية فاضحة، حيث اقتصر ما يوصف بأنه «مكرمة ملكية» على الحجاج القطريين دون غيرهم من المقيمين، في موقف يعكس التمييز العنصري والسياسي ضد المسلمين المقيمين في قطر، الراغبين في أداء الشعيرة العظيمة.
فهؤلاء تتوق أنفسهم أيضا للطواف حول «البيت العتيق»، والدعاء عند بابه، والبكاء على أعتابه، والصلاة في رحابه، حيث «الكعبة المشرفة»، قبلتنا التي ارتضاها الله لنا، التي نتوجه إليها في صلواتنا.
.. ولا جدال أن الحاج القادم من قطر، أيا كانت جنسيته أو هويته، سواء كان قطريا أو «قطراويا»، لا يحتاج إلى وسيط محلي أو دولي لأداء فريضة الحج، كما أن تأدية مناسك الركن الخامس من أركان الإسلام لا تتطلب الحصول على وساطة مسبقة، أو واسطة سابقة!
.. ويكفينا أن قيادتنا الرشيدة حريصة - كل الحرص - على أن يؤدي حجاج قطر جميعا، سواء كانوا مواطنين أو مقيمين، الفريضة العظيمة التي تهفو إليها قلوبهم، دون أي عقبات أو منغصات أو مضايقات أو صعوبات.
لقد جاء القرار السعودي بشأن الحجاج القطريين في إطار حملة دعائية مكثفة، لتجميل صورة «المملكة» سياسيا، وتحسين صورتها أمام الرأي العام الإسلامي والدولي، رغم أن الحج لا يمكن إخضاعه لأي مكاسب سياسية، باعتباره حقا أصيلا من حقوق كل مسلم، تلزمه الشريعة الإسلامية السمحاء لجميع المسلمين.
.. وهو لا يدخل في إطار «الهدايا» أو «العطايا»، وعندما يتم في الرياض وغيرها من عواصم دول «التحالف الرباعي» توظيف أو توصيف قرار السماح للقطريين بأداء مناسك الحج بأنه «مكرمة ملكية» من «خادم الحرمين الشريفين»، فهذا يؤكد بالدليل القاطع والبرهان الساطع استغلال «المملكة» هذه الفريضة الإسلامية لخدمة أجندتها السياسية!
فالحج ليس مكرمة من أحد.
.. وهو ليس هدية من ملك أو أمير أو رئيس أو حاكم يتحكم بمصير شعبه، كما أنه ليس منحة يمنحها السياسي لغيره، أو يحرم منها غيره، لكنه فريضة واجبة يؤديها المسلم القادر بدنيا، المقتدر ماليا، دون منة من أي جهة، أو امتنان لأي إنسان.
لقد تعاملت وسائل الإعلام السعودية مع قرار حكومتها بشأن الحجاج القطريين باعتباره «مكرمة ملكية»، وهذا الأمر يخالف الشرائع السماوية، لأن الحج ركن من أركان الإسلام، ولا يجوز توظيفه أو استخدامه، أو استغلاله لغير ما شرعه الله.
.. وهو لا يندرج تحت بند عطايا أو هبات أو مكرمات من البشر، حيث فرضه الله تعالى على المسلمين جميعا، وجعله من أفضل عباداته، لاشتماله على كافة معاني العبادات الأخرى.
.. ونحمد الله، أننا ننتمي إلى قطر، بلد العطاء والسخاء والكبرياء والوفاء والانتماء الأصيل المتصل بقائد الوطن، حيث أغنانا الله في دولتنا الغنية بعزة أنفسنا، وأكرمنا بماله، ومنحنا من ثرواته، وأعزنا بأميرنا الكريم تميم، ولا نحتاج إلى مكارم الآخرين، لأننا أكثر شعوب العالم خيرا، وأكثرهم عطاء، بعدما أغدقت علينا قيادتنا وحكومتنا الرشيدة من خيرات وطننا، فصرنا نغدق من خيراتنا على غيرنا.
.. وكنا نتمنى أن تصل «المكرمة الملكية» إلى من يستحقها من المرابطين في «القدس»، الذين دافعوا عن «المسجد الأقصى»، وتصدوا للإجراءات الصهيونية التي استهدفت مسجدنا المبارك.
فهؤلاء يستحقون أن تصلهم «مكارم خادم الحرمين الشريفين»، تقديرا لبسالتهم وتكاتفهم برجالهم ونسائهم وشيوخهم وأطفالهم، خاصة المقدسيين، الذين كانت وقفتهم، ولا تزال، تمثل نموذجا في الصمود والتصدي والتحدي، وعدم التنازل عن حقهم في الصلاة في مسجدهم الأقصى، مما ساهم في إفشال مخططات الاحتلال للسيطرة على المسجد المبارك، وتهويد الحرم القدسي الشريف.
هؤلاء ينتظرون «مكرمة ملكية سعودية» تدعمهم ماديا ومعنويا، وسياسيا وسياديا وإنسانيا وإسلاميا، لدعم صمودهم في مواجهة الإرهاب الصهيوني، ومنع تكرار أي إجراءات استفزازية يقوم بها كيان الاحتلال الإسرائيلي، بحق أولى القبلتين وثالث الحرمين الشريفين، وعدم المساس بالوضع التاريخي القائم في المدينة المقدسة.
.. وكنا نتمنى أن تصل «المكرمة الملكية» إلى أسر الشهداء في اليمن، ضحايا «عاصفة الحزم»، التي فشلت في تحقيق أهدافها، ولم تستطع إعادة الشرعية إلى صنعاء، وصارت عبئا على الداخل السعودي، وتحولت إلى «حرب استنزاف» لا طائل منها، ولا جدوى فيها ولا نهاية لها، بعدما عجز «التحالف العربي» عن حسمها، فأصبحت جرحا نازفا لا شفاء منه، ليس في الجسم اليمني فحسب، بل في خاصرة السعودية!
.. وكنا نتمنى أن تمتد «المكرمة الملكية» لتصل إلى أهالي المرضى المصابين بوباء «الكوليرا» في اليمن، الذين أنهكتهم أوجاع المرض، وأرهقتهم ضغوط الحرب الخاسرة، التي لم تنتج إلا دمارا في بلد كان يشتهر بأنه سعيد رغم فقره!
.. وفقا لتقرير المبعوث الخاص للأمم المتحدة إسماعيل ولد الشيخ الذي قدمه امس في الجلسة التي عقدها «مجلس الأمن» لمناقشة الوضع في اليمن أكد «المبعوث الدولي» أن البلاد تعيش لحظات حرجة وصعبة، يدفع المدنيون الثمن الأكبر في الصراع المستمر فيها، فمن لم يمت بالحرب قد يموت من الجوع أو المرض مع تدهور الوضع الاقتصادي وتفاقم الحالة الإنسانية.
.. وباختصار، يعصف الموت باليمنيين جوا وبرا وبحرا وكذا الأمراض والأوبئة التي شهدت معدلات غير مسبوقة، ومن لم يقتله داء الكوليرا، يعاني حتما من نتائج الكوليرا السياسية التي أصابت اليمن والتي ما زالت تعيق مساره نحو السلام.
.. وكنا نتمنى أن تصل «المكرمة الملكية» إلى عجوز يمنية اسمها «حمامة»، تعيش في قريتها النائية التابعة لمحافظة «ذمار»، البعيدة عن العاصمة «صنعاء» حوالي 250 كيلومترا، هذه السيدة التي نقلت وكالات الأنباء قصتها المأساوية، تمني نفسها كل عام بتأدية مناسك الحج، والطواف حول «بيت الله الحرام»، لكن تردي الأوضاع الأمنية والمعيشية والاقتصادية في بلادها، وتعقد إجراءات سفرها، تحول دون تحقيق أمنيتها، قبل أن يتوفاها الله.
.. وكنا نتمنى أن تشمل«المكرمة الملكية» الأطفال اليتامى في العراق، ضحايا عملية تحرير «الموصل» من تنظيم «داعش» الإرهابي، حتى تسعدهم وتخفف من أحزانهم، ومن وطأة فقدانهم آباءهم وأمهاتهم.
فهؤلاء يحتاجون إلى «التفاتة ملكية» حانية تكفل رعايتهم، وتوفر الرعاية الاجتماعية والصحية والتعليمية لهم، خاصة أن «التنظيم الداعشي» ولد من رحم تنظيم «القاعدة»، والجميع يعلم أين توجد قواعد ذلك التنظيم القاعد في عمق الجزيرة العربية!.
.. وكنا نتمنى أن تمتد «المكرمة الملكية» إلى أهالي جزر الإمارات المحتلة، طنب الكبرى وطنب الصغرى وأبوموسى، الذين يعانون من عدم قيام «دولتهم الاتحادية» بتوفير خدمات عصرية لهم، وعدم توفيرها مراكز صحية ومرافق تعليمية ووحدات سكنية وخدمات أساسية تليق بهم، تساعدهم على مواجهة «التمدد الإيراني»، الذي يعتبر من أولويات الخطاب الإعلامي والسياسي لدول «التحالف الرباعي»!
.. وكنا نتمنى أن تمتد «المكرمة الملكية» لتصل إلى المحتاجين في البحرين - وما أكثرهم - فهم الأحوج إلى «مكارم خادم الحرمين الشريفين»، على اعتبار أن ما يجمع بينهما «نظام ملكي» متين!
.. وكنا نتمنى أن تتوسع «المكرمة الملكية» لتشمل أسر ضحايا «ميدان رابعة» في القاهرة، الذين قهرهم «جيش السيسي»، فلقوا حتفهم، في أكبر «عملية إرهابية» شهدتها الديار المصرية، في تاريخها المعاصر ولا أقول المعصور!
.. وكنا نتمنى أيضا لو تم توظيف تكاليف «المكرمة الملكية» المزعومة بشأن الحجاج القطريين، لتوفير «احتياجات أبناء المملكة» الضرورية، الذين نرى كثيرين منهم يقفون في طوابير طويلة، من أجل الحصول على «زكاة» لا تصلهم!
أخيرا.. نتمنى، وسنظل نتمنى، أن تمتد «المكرمة الملكية» لتصل إلى الداخل السعودي المضطرب ولا أقول الملتهب، هناك في المنطقة الشرقية، لترسم الابتسامة على وجوه أهلها المحتاجين، ولا أقول المحتجين،في تلك البلدات المنسية التي تعاني
أوضاعا مأساوية!

بقلم : أحمد علي

أحمد علي