كتاب وأراء

الحضور الإيراني في المنطقة .. بين الرفض والقبول

بعد توالي الوفود التي تمثل قوى قريبة سياسياً من إيران، سواء المحسوبة على الحشد الشعبي العراقي أو مقتدى الصدر، بالإضافة إلى ممثلي الحكومة العراقية ذاتها، واستقبالها بشكل مبالغ فيه في عواصم عربية ترفع شعار الصراع مع إيران بوصفه أولوية، وهو ما يثير جملة من التساؤلات حول طبيعة السلوك السياسي الذي تنتهجه هذه الأنظمة، وهل تملك بالفعل رؤية سياسية واضحة أم أنها تتصرف بوحي اللحظة ومنطق ردود الأفعال؟
فالعواصم الخليجية التي تحاصر قطر وتروج لخطاب عدائي مفاده أن دولة قطر ترتبط بعلاقات وثيقة مع طهران وتطالبها بقطع هذه العلاقات، هي ذاتها التي تتخذ اليوم خطوات دبلوماسية متتالية من أجل التقرّب من الخصم الإيراني المفترض. وإذا لم يكن مُعيباً من الناحية السياسية أن تتحاور الدول مع جيرانها وأن تسعى إلى إيجاد مجالات للتفاهم أو للتعاون المشترك فإن المشكلة تكمن في تناقض الخطاب الرسمي مع الممارسة الواقعية.
فمن جهة كانت دول الحصار الثلاثي تضع العلاقة مع طهران ضمن المحرّمات، بل وتتهم خصومها بخدمة الأجندات الإيرانية إلى الحد الذي جعل بعض صحفها تضع عنواناً عريضاً مفاده: «وفد من حماس الإرهابية يزور طهران لتهنئة روحاني»، بل ودشّنت حرباً في المنطقة بدعوى تحجيم النفوذ الإيراني، نجدها اليوم تستدعي وفوداً سياسية وحزبية تابعة لإيران من أجل استجدائها للتدخل وإيجاد شكل من أشكال التسوية مع العدو الإيراني المفترض.
إن هذا السلوك السياسي المرتبك يكشف عن جملة من الإشكالات التي تعانيها دول الحصار الثلاثي؛ فهي من ناحية تطلب من غيرها ما لا تلتزم هي به سواء من ناحية التبادل الاقتصادي أو من حيث العلاقات السياسية، ومن ناحية أخرى تعاني هذه الدول من ورطة سياسية جعلتها تبحث عن حلول وبأي ثمن لأزماتها العسكرية والسياسية المتتالية وهو ما يدل على غياب استراتيجية واضحة لدى أصحابها.
ومثلما تم إعلان الحرب في اليمن في لحظة ما دون قراءة جيدة للمشهد السياسي هناك خاصة أن هذه الدول ذاتها هي التي سعت إلى إفشال الثورة اليمنية ودعمت حلاً هشاً أفضى في النهاية إلى انقلاب للأوضاع ضدها، وقبل أن تقوم بتصفية مشكلاتها السياسية العالقة نجد هذه المنظومة السياسية ذاتها تتورط في إعلان حصار عبثي ضد قطر ولأسباب وهمية ودون غايات واضحة أو منطقية، إنه التخبط السياسي بعينه الذي يقود هذه الأنظمة التي تبدو غير قادرة على ترتيب أولوياتها أو تحديد خياراتها وإنما تتصرف من خلال مزاج سلطوي غير مستقر يتبدل بحسب الظروف ولا يضع في حسابه طبيعة المصالح المتشابكة والمتداخلة لدول المنطقة.
إن كل مراقب موضوعي يدرك أن الحضور الإيراني في المنطقة ليس حدثاً عارضاً أو طارئاً وإنما هو نتاج الجغرافيا السياسية وتأثير التاريخ المشترك لشعوب الخليج بضفتيه. دون أن يعني هذا تبريراً لمحاولات التمدد الإيراني التي لم يكن لها أن تتسارع وتتوسع لولا اضطراب السلوك السياسي للدول التي تضع نفسها في موقع المنافس لها؛ فإفشال الثورة اليمنية وضرب تطلع الشعب اليمني نحو التعددية والديمقراطية هو الذي منح الفرصة لخلق النفوذ الحوثي المتحالف مع إيران في اليمن، ورفض دعم المقاومة الفلسطينية ووصمها بالإرهاب هو الذي أجبر حركات المقاومة على البحث عن حليف سياسي خارج المنطقة العربية، وطريقة التعامل مع الثورة السورية من خلال دفعها نحو أتون الحرب الأهلية هو الذي ضخ المزيد من الوقود في الحضور الإيراني وجعله أكثر تأثيراً وقوة.
إن غياب استراتيجية واضحة في التعامل مع المشهد العربي ما بعد الثورات ومحاولة دعم ما سماه سفير إحدى دول الحصار ببناء أنظمة علمانية قوية هو الذي أدى إلى حالة الاضطراب في المنطقة وأفضى إلى تصاعد نفوذ قوى إقليمية لم تحلم يوماً أنها ستحظى بكل هذا التأثير والحضور.
وربما كانت هذه نقطة الخلاف الأساسية مع السياسة القطرية المتأنية التي ترفض التورط في صراعات وهمية وتسعى دوماً إلى دعم الشعوب العربية لإعادة بناء ذاتها، وهو الخيار الوحيد الذي يمكنه أن يخلق توازناً فعلياً في المنطقة بعيداً عن التجاذبات التي لا تخدم غير أعداء الأمة.
بقلم : سمير حمدي

سمير حمدي