كتاب وأراء

الفكر السلفي بين الأمس واليوم

يرجع الجذر التاريخي للفكرالسلفي، عامة إلى (مدرسة الحديث ) في القرنين الثاني والثالث الهجريين، وهي المدرسة التي تمسكت بفهم النص، على ظاهره، اتباعاً لفهم السلف الصالح كونهم الأكثر موثوقية، والأولى بالاقتداء، ومن ثم رفضت إعمال العقل في النص، أو تأويله، كما فعلت المدارس والفرق الإسلامية الأخرى كالمعتزلة والأشاعرة والماتريدية والصوفية والفلاسفة والمناطقة والخوارج والشيعة وأهل الرأي عامة. برزت النزعة السلفية في مواجهة النزعة العقلية، خلال محنة الإمام أحمد الذي رفض القول بخلق القرآن، في القرن الثالث الهجري.
وتبلورت على يد الشيخ أحمد بن تيمية ومدرسته في القرن السابع الهجري، وهي المدرسة التي تصدت للفرق الأخرى الجهمية والقدرية والباطنية والصوفية والفلاسفة والشيعة فأصبحت كتب ابن تيمية وفتاواه وكتب تلاميذه: ابن القيم والذهبي وابن كثير، هي المراجع المعتمدة للسلفية، حتى إذا وصلنا إلى مطلع القرن الثامن عشر، ظهرت (السلفية الوهابية) التي خرجت من رحم (السلفية التاريخية) فتحالفت مع أمير الدرعية محمد بن سعود لتكون الأساس الأيدلوجي لتوحيد المملكة العربية السعودية، وليصبح كتاب التوحيد للشيخ محمد بن عبدالوهاب، المرجع الأساسي لدى السلفيين المعاصرين، وكتاباً دراسياً معتمدا، للناشئة في مختلف مراحلهم الدراسية.
يقوم الخطاب السلفي في جانبه العقائدي على احتكار العقيدة الصحيحة، واتهام الفرق الإسلامية بالبدعة والضلالة، ومن ثم( العداء) لها وبخاصة الشيعة والصوفية والكراهية لأهل الكتاب عامة، كما يقوم الخطاب في جانبه الاجتماعي على (عدم أهلية المرأة ) للمشاركة في الحياة العامة، فيفرض عليها النقاب، ويمنعها من الاختلاط، والحركة من غير ولي أو محرم، ويحرم قيادتها للسيارة، وتوليها للمناصب القيادية، طبقاً لحديث لن يفلح قوم ولوا أمرهم امرأة.
أما في جانبه السياسي فإنه يرى وجوب طاعة ولي الأمر، ورفض العمل السياسي، واعتبار المعارضة السياسية، خروجاً على الطاعة، كما لا يعترف بحق الشعب في المشاركة السياسية، ولا يؤمن بالأحزاب السياسية أو الانتخابات.
وفي الجانب الفكري يرى الخطاب السلفي، أولوية النص على العقل وأفضلية فهم السلف على فهم الخلف.
وفِي جانب حرية العبادة لا يرى حق غير المسلمين في إقامة دور للعبادة، إذ لا يجتمع دينان في جزيرة العرب.
والتيار السلفي، عامة، يتشدد في شكليات، مثل: تحريم حلق اللحى، وإسبال الثياب، والأغاني والموسيقى والتصوير، بل الفنون عامة، ويقف رافضاً كل مظاهر الحياة الحديثة في الملبس والمأكل، وكذلك النظم السياسية والإدارية والاقتصادية والاجتماعية، بحجة تحريم التشبه بالغرب من تشبه بقوم فهو منهم وعدم جواز تهنئة أهل الكتاب أو مشاركتهم في الأعياد، لأنها موالاة محرمة، طبقاً لعقيدة الولاء والبراء
تطور السلفية التقليدية:
بدأت السلفية الوهابية مغالية، مكفرة للمسلمين المخالفين، مستحلة دماءهم وأموالهم، فهم قبوريون يتوسلون بالصالحين والأولياء،، لكن المؤسسة السلفية الرسمية السعودية، اليوم، تخففت من حمولتها التاريخية،وتراجعت بعد أزمة الخليج الثانية، عن التكفير المطلق للمسلمين، فحذرت هيئة كبار العلماء من التكفير، لأنه حكم شرعي مرده إلى الله ورسله وقد تم ذلك بتوجيه السلطة الحاكمة، وضغوط خارجية، واعتبارات مصلحية أخرى، ولكن بقية من الجذر التكفيري التاريخي، لازالت موجودة، في مناهجها وكتبها وفتاواها، لكن تتم عملية مراجعتها وإعادة النظر فيها وتصحيحها، تبعاً للمتغيرات الداخلية والخارجية، وعبر مركز الملك عبدالعزيز للحوار الوطني، الداعم للوحدة الوطنية، والمركز العالمي اعتدال لمكافحة التطرف.
أخيرا ً: التيار السلفي، عامة، يعد نفسه حارس الهوية النقية، وحاميها والمحافظ عليها من ( الانحرافات العقدية) طبقاً لمحمد أبو رمان، في كتابه المرجعي الهام (الصراع على السلفية ) ومن فكر الحداثة أيضاً.. قبل سنوات، كتبت حول حصول باحث سعودي على درجة الدكتوراه بمرتبة الشرف الأولى من كلية أصول الدين بجامعة الإمام بالرياض، عن رسالته الانحراف العقدي في أدب الحداثة وفكرها اتهم فيها كافة رموز الحداثة، ووصفهم رموزاً للعلمنة والزندقة والتبعية للغرب، وأجازتها لجنة علمية من كبار العلماء، إلا أن ذلك كان قبل 18 عاماً، وما تشهده المملكة من رياح التغيير والتحديث، تجعل من تلك الرسالة ونهجها التكفيري المعادي للحداثة، في ذمة التاريخ، وذلك دهاء التاريخ لقوم يتفكرون! .
بقلم : د.عبدالحميد الأنصاري

د.عبدالحميد الأنصاري