كتاب وأراء

التشويه الإعلامي حبل الكذب قصير

مع الثورة الإعلامية التي ترافقت مع الطفرة التقنية التي عرفها العالم انتشرت وسائل الإعلام وأصبحت تتنافس في التأثير على الجمهور المتلقي.. ولم تكن الساحة الإعلامية العربية بعيدة عن هذا التنافس سواء من خلال حضور القنوات الرسمية أو شبه الرسمية بالإضافة إلى القنوات الإعلامية الموجهة إلى المنطقة من جهات مختلفة.
غير أن درجة التأثير المتفاوتة ظلت مقترنة بعوامل كثيرة منها الإمكانيات وأساليب العمل ويبقى المقياس الأهم هو مدى المصداقية التي تتمتع بها الوسيلة الإعلامية في نظر الجمهور ومدى تعبيرها الفعلي عن تطلعات وتوجهات الشعوب في المنطقة.
وهذا العامل الأخير أعني المصداقية والموضوعية في تناول الموضوعات الإخبارية المختلفة كان حاسماً في تفوق قناة الجزيرة على سبيل المثال التي استطاعت منذ ظهورها قلب المشهد الإعلامي العربي وحشر القنوات الرسمية في الزاوية، بل وتحولت إلى منافس مهم في الساحة الإعلامية على المستوى الدولي بما تحققه من سبق صحفي وكشف غموض كثير من القضايا والملفات الشائكة.
في المقابل ظهرت قنوات أخرى في الساحة الإعلامية العربية حاولت أن تطرح نفسها كمنافس فعلي لقناة الجزيرة ولكن عبر اعتماد أساليب أخرى تقوم على التشويه وفبركة الأخبار وممارسة الدعاية السوداء والتضليل الإعلامي للجمهور المتلقي.
ومنذ بدء الأزمة الخليجية كان واضحاً أن هذه القنوات والأذرع الإعلامية كانت تشكل الأداة الأساسية المستخدمة لتشويه الخصوم وممارسة الكذب المعلن دون احترام للجمهور المتلقي وهي في أسلوبها هذا تعتمد تقنية الكذب الموجه والمستمر الذي تحدث عنه يوماً غوبلز، وزير الدعاية النازي، عندما كان يردد «اكذب اكذب حتى يضطر الناس إلى تصديقك».. غير أن ما أغفلته وسائل الدعاية هذه أن التطور التقني وسرعة التواصل بين جهات العالم الأربع جعلت إمكانية كشف المغالطات وفضحها أمراً يسيراً وممكناً ولم تعد الدعايات تنطلي على الناس بسهولة، بل إن الوعي النقدي لدى الجمهور المتلقي قد تطور إلى الحد الذي يجعله يميز بين الكذب والتشويه من جهة والعمل الإعلامي الأكثر مصداقية من جهة أخرى.
وفي هذا السياق يمكن أن نورد كمثال على الاختلاق والكذب الذي تم كشفه للعموم ما نسبته قناة العربية لمؤسس موقع ويكيليكس جوليان أسانج من معلومات كاذبة جعلته يخرج بنفسه على الناس مكذباً ما نسب إليه مغرداً على موقع التواصل العالمي «تويتر» قائلاً: «إن قناة العربية تبث تلفيقات سخيفة» منوهاً إلى أنها تبث من الإمارات. والحقيقة أن سياسة التلفيق الإعلامي التي تنتهجها هذه القناة ليست أمراً طارئاً عليها أو خطأً مهنياً عارضاً بقدر ما هي سياسة رسمية معتمدة من القناة أثارت ضدها نقمة الجمهور العربي بشكل واسع ويكفي أن نذكر في هذا الإطار أن الأزمة الخليجية برمتها بدأت بتلفيق إعلامي واختراق إلكتروني لموقع وكالة الأنباء القطرية وهو أمر أصبح معلوماً للكافة بعد إثبات جهات دولية حصول هذا الانتهاك للموقع الرسمي القطري.
فلعبة التشويه والافتراء أصبحت منطلقاً لدى جهات تستخدم الإعلام مطية من أجل ضرب تطلعات الشعوب العربية في الحرية والتقدم.. فقناة العربية وأشباهها من القنوات والمواقع الإلكترونية والصحف تمارس التعتيم والتشويه ضد الثورات العربية والمقاومة الفلسطينية وتنحدر أحياناً إلى مستوى مهاجمة الثوابت الإسلامية بشكل فج يكشف عن طبيعة الأجندات المشبوهة التي يتبناها ممولوها وكل من يقف خلفها.. وربما كان من فوائد الأزمة الخليجية أنها فضحت أمام الشارع العربي كل الجهات التي تسعى إلى إثارة الخلافات وتمارس التحريض المعلن ضد الشعوب بداية من الدعوة إلى حصار قطر وتبريره مروراً بالتحريض على المقاومة الفلسطينية ومحاولة حشرها في دائرة الإرهاب وصولاً إلى سياستها المستمرة في تدمير أواصر الأخوّة بين الشعوب العربية وإثارة أفانين الفتن والعداوات.
غير أن ما لا يدركه القائمون على هذه القنوات أن أساليب الخداع لا تنجح دائماً وإذا كان بالإمكان خداع كل الناس بعض الوقت أو خداع بعض الناس كل الوقت، فإنه من المستحيل خداع كل الناس كل الوقت فحبل الكذب قصير.
بقلم : سمير حمدي

سمير حمدي