كتاب وأراء

بلادنا الفارغة إلا من الموت !

أخبرني صديق شاب ثلاثيني، من أب مصري وأم سورية، عاش حياته كلها في سوريا، وقصد مصر منذ 2012، ولحقته عائلته قبل أقل من سنة من الآن، أنه تقدم بطلب الحصول على تأشيرة دخول إلى هولندا، إثر دعوة وجهت له للمشاركة في فعاليات دورة إعلامية، وبعد انتظار أكثر من عشرين يوما ردت السفارة طلبه مع الرفض، مبررة رفضها بأن لاشيء سيضمن للحكومة الهولندية عودته إلى مصر، إذ تعتقد حكومة هولندا أن وصول أي شاب عربي إلى أراضيها هو بمثابة استقبال لاجئ جديد.
واعتقاد الهولنديين ليس بعيدا كثيرا عن الواقع، إذ أن صديقي نفسه، وهو المستقر في حياته، ولديه عمل محترم، وكونه حامل الجنسية المصرية فهذا يسهل له الكثير من القضايا اليومية والروتينية في البلاد، إذ ليست لديه مشكلة إقامة ولا سفر ولا معاناة مع تجديد الأوراق السنوية، صديقي هذا نفسه قال لي: هم محقون، لو ذهبت فسأتردد كثيرا بالعودة، ليس حال الشاب هذا سوى حالة واحدة من ملايين الحالات العربية، لاسيما في الدول التي أصابها الربيع العربي بمقتل للأسف، فبعد الوهج الهائل من تراكم الأمل ورغبة التغيير التي حدثت مع بدايات عام 2011واستمرت تقريبا إلى آخره، رغم دم الشباب الذي سال في ساحات الدول العربية، ورغم المعتقلات التي امتلأت بخيرة شباب بلداننا، ورغم استشراس الأنظمة في الدفاع عن استقرارها، بعد ذلك الوهج الهائل بدأت مآلات أخرى ومختلفة تظهر، وكأن ثمة قرار أتخذ في مكان ما، أن البلدان التي لايمكن استبدال حاكمها الحالي بآخر من نفس المنظومة فلتغرق بالفوضى، دين، سلاح، طائفية، فوضى، فقر، تهجير، عصابات، مرتزقة، شراء ذمم، كل ما يمكن أن يحول انتفاضة أو ثورة إلى حالة من الهدم العشوائي يقضي على الحاضر والمستقبل معا، ويجعل من الماضي هو المرتجى الوحيد، حيث هذا مع كل الدول التي دخلت في الربيع العربي، دون استثناء، الدول التي استقرت فهي استقرت على نفس الأنظمة القديمة بوجوه جديدة، اشد عنفا وتمسكا بمكاسبها، وباقي الدول دخلت في فوضى لا يعلم إلا الخالق متى تنتهي، هذه الزلازل المرعبة لم يقتصر تأثيرها على دول الربيع العربي بل طال حتى الدول الأخرى القريبة والبعيدة، الأمر الذي جعل من بلدان العالم العربي بالنسبة لسكانها، وخاصة الشباب، شيئا يشبه الجحيم. فالأمل بالتغيير قد تم القضاء علي نهائيا، والمستقبل مجهول تماما، وإن كانت مؤشرات الحاضر تدل على قادم قاتم وسيئ ومعدوم الأفق، عدا عن الأمان النفسي والمادي المفقود تماما، حل المغادرة والهجرة والبحث عن مكان بمستقبل واضح المعالم حل مكان أحلام التغيير، صار الهدف اليوم هو إيجاد أية طريقة للفرار نحو أوروبا، أو اية دولة من دول العالم المتقدم، ولم يعدم الشباب العرب طريقة للوصول إلى هناك، ليست رحلات البحر غير الشرعية هي الوحيدة، الهروب بالطائرات، بالشاحنات المغلقة، المشي أياما متواصلة في الغابات، تزوير وثائق، أي شيء يمكن من الهروب من هذا الجحيم الذي اسمه «بلاد العرب» التي ستصحو يوما وليس فيها غير العجائز أو الأموات بعد أن غادرها الجميع!.
بقلم :رشا عمران

رشا عمران