كتاب وأراء

تلوّن الفصول

دقّ الخريف عالبيبان.
هذا الصباح، حين ذهبت أقطع عرق نعناعٍ من الحديقة لزوم الشاي، كانت لفحة الرياح، تشي بقدوم الخريف، وإنه عالباب، لا أملك إلا أن أرحّب به، فهو القادم الحتميُّ في الفصول والحياة والإدارة، ولا نستطيع الفكاك منه بكل ما نستطيع من تجمُّلٍ أو ماكياجٍ، أو قصٍّ ولصق. وأسعد بكل من يرى في الخريف فُرجةَ تفاؤلٍ وأملٍ،
كان أول حوارٍ إذاعيٍّ أجريتُه في كندا هو مع سيدةٍ مسؤولةٍ عن شؤون الهجرة، وكان الفصل خريفاً، والسيدة ذاتها كانت خريفيةً، وكان الحوار طويلاً ذا شجونٍ، إمتزجت فيه السياسة مع التاريخ، وجغرافية المدن، وخصوصياتها، وفي نهاية الحوار، سألتها:
-نحن في الخريف، ويبدو أنه قاسٍ في بلادكم.
أجابت:
-كلا، فأنا أحبه كثيراً في بلادي، فلولاه لما جاء الربيع.
وبعد أن توغّل الخريف هنا في كندا، عشقته بكل مفرداته.فالحياة ليست ربيعاً أبدياً، وفي معاني الربيع وإسقاطاتها، كانت هناك أيامُ حبٍّ وسعادةٍ وألفة، وفي الوقت ذاته، توافرت معاني البؤس والإحباط، والخراب والدمار، كما لمسنا فيما سُمّي بالربيع العربي، فإذا كان الربيع -وفق المفهوم الإصطلاحي العام- يأتينا بالبشرى والأمل والحياة الجديدة، فقد جاء الربيع العربي على عكس هذه المفاهيم، ولا داعيَ للاسترسال.
نعود إلى الفصول، فنقرر أن علينا أن نعيَ فصولَ الحياةِ ونعطيَ كلَّ فصلٍ حقَّه، فلكلٍّ خصوصيّته ومعانيه ومغانيه.
في ربيع العمر تبدو الأمانيُّ براقةً بالخير، مفعمةً بالتفاؤل، ويخال للمرءِ أنه يمكن أن يأتيَ بما لا يستطعْه الأوائلُ، والسعيد هو من يعي ويدرك مواهبه، وقدراته وإمكاناته الخاصّة، فيطوّع ذلك كله في العمل والسعي ليجده ذخيرةً في خريف العمر، حيث تهبُّ الرياحُ مبشرةً بشتاءٍ قد يكون قارساً، وقد يحمل غرس أيامٍ جديدةٍ مبشِّرةٍ.
الإنسان العربيُّ البسيط غلبان، يقلّب الفصول على غير إرادته، لكنّ الحاكم العربيّ في أقطارٍ من هذا الوطن الكبير، تغيب عنه حقيقة تقلُّب الفصول، فلا يقنع أن في السلطة خريفاً، وشتاءً يتعيّن عليه فيهما أن يترجّل ليسمح لفصولٍ أخرى أن تتألّق.
متى تتميز وتتمايز الفصول في بلادي؟
ما زلتُ أغني: نحنُ عشنا في ربيع العمرِ أحلاماً حِسانا
وطوانا الحبُّ روحاً وضميراً، وجنانا
آهِ منها تلكم الأيامُ لم تطوِ هوانا
بقيت ذكرى بقلبينا، أنيساً، وأمانا.
بقلم : حسن شكري فلفل

حسن شكري فلفل