كتاب وأراء

حل الأزمة الخليجية شروط وعوامل النجاح

منذ بداية الأزمة الخليجية حرصت قطر على التعامل معها بحكمة وتروي دون مبالغة في ردود الأفعال أو التصرف بشكل انفعالي يفتقر إلى العقلانية والحصافة. وكان التوجه العام للدبلوماسية القطرية يقوم على توجهين كبيرين أولهما كشف الحقائق والتعامل مع ملابسات الخلاف بوضوح وشفافية وهو ما مكّنها من التواصل مع الجهات العربية والدولية المختلفة سواء في الاتحاد الأوروبي أو الولايات المتحدة وروسيا بالإضافة إلى تقديم خطاب متوازن لا يتورط في المناكفات السياسية وإنما يتعامل مع الواقع بموضوعية تامة دون سقوط في الإسفاف والغوغائية.
ومن جانب آخر تركت قطر مجال الحوار مفتوحا مع باقي الأطراف الأخرى للأزمة، دون شروط مسبقة أو مطالب تعجيزية أو التصرف بعقلية الهيمنة والغلبة.
رغم هذا الانفتاح القطري على الحوار والرغبة في حل الأزمة التي لا تخدم سوى الأعداء فقد كان واضحا وجود بعض القوى التي تتصرف بعدوانية وتحرص على إفشال كل مبادرة للحل أو ميل لتخفيف التوتر وهو أمر يمكن تلمّسه بوضوح في الموقف من مبادرة أمير الكويت والتي وجدت ترحيبا من الجانب القطري في المقابل كانت بقية الأطراف تتعامل مع المبادرة بوصفها مجرد فرصة لإبلاغ الطرف القطري بالمطالب التعجيزية والتهديدات الجوفاء لأصحابها.
وكان جليا من خلال تصريحات أمير الكويت الأخيرة حول النجاح في استبعاد شبح النزاع العسكري، مدى الرعونة التي كانت تفكر بها بعض أطراف الأزمة وسعيها لتوتير المشهد وحرصها على استمرار الأزمة بأي شكل وتحت أي مبررات مهما كانت وهمية ومُضلّلة.
إن مواقف قطر تؤكد طبيعة توجهها نحو المصالحة وحرصها على إنجاح الحوار والسمو بالخلاف إلى حالة من التباين في المواقف السياسية بعيدا عن تحشيد الشعوب ودفعها إلى عدوانية في السلوك وإشعال نار الفتنة والنفخ فيها عبر وسائل مختلفة تراوحت بين الدعاية الإعلامية الموجهة ونشر الأكاذيب واستخدام لجان الكترونية مهمتها السب والقذف وانتهاء بتوظيف الأغاني والفنانين ممن لا علاقة لهم بالأزمة غير كونهم مجرد أداة للتحشيد والتشويه وإثارة الضغائن والأحقاد.
إن كل مراقب موضوعي يدرك أن استمرار الأزمة الخليجية لا يخدم مصالح دول المنطقة، وأن على مفتعليها إدراك جملة من الثوابت التي ترقى إلى مرتبة اليقينيات العقلية وأولها أن قطر أكبر من أن تُحاصر فإمكاناتها الاقتصادية واتساع علاقاتها الدولية تجعلها بمنأى عن تبعات أي حصار إقليمي مهما كانت القوى التي تدفع نحوه وتحرض عليه. وثانيا أن قضية السيادة لدى الشعب القطري ليست من قبيل الترف أو مما يمكن التنازل عنه أو التفاوض عليه.
وعلى هذا الأساس فكل حوار ممكن وكل حل للأزمة ينبغي أن يضع احترام سيادة الدول فوق كل اعتبار وبعدها فإن كل القضايا يمكن أن تطرح على بساط البحث والنقاش. ثالثا إن الانسياق وراء لغة التشويه ونشر الدعايات السوداء وممارسة التضليل الإعلامي والتلاعب بالعقول هو مضيعة للوقت ولن يعود بالوبال إلا على أصحابه. ومن هذه المنطلقات فإن أي حل ممكن للأزمة ينبغي أن ينطلق من فكرة الوصول إلى حالة من التعايش بين دول المنطقة بعيدا عن أوهام القوة والسيطرة لأن الوقائع أثبتت أن قطر عصية على الإخضاع وأن اللوبيات التي تحاول النفخ في نار الأزمة هي في الواقع لا تخدم المنطقة ولا أنظمتها السياسية خاصة في المملكة السعودية، ذلك أنه لا يمكن فهم طبيعة الخطاب العدواني الذي تروّج له إحدى دول الأزمة والتي تعتبر ما تفعله مندرجا ضمن إطار عام هو تغيير وجه المنطقة نحو ما تسميه بالعلمانية المطلقة مفترضة أنها النموذج الذي بإمكانه الهيمنة على الجميع رغم أن نتائج تصرفات هذا الكيان السياسي لم تؤد إلا إلى مضاعفة الأزمات وما يجري في جنوب اليمن خير دليل على هذا الفشل والعجز عن إدارة المشاكل. فمتى تدرك باقي أطراف الأزمة أهمية الوصول إلى كلمة سواء تخدم الجميع دون استعلاء أو خطاب فرعوني جوهره «لا أُريكم إلا ما أرى»؟.
بقلم : سمير حمدي

سمير حمدي