كتاب وأراء

في لعبة الفن والسياسة

وحيد زاهر، اسم لشخص مصري يعيش في أميركا، لا توجد له أية حيثيات قديمة، لو خطر لأحد أن يبحث عن اسمه على محرك البحث غوغل، لن يجد أي شي سوى أنه قام بتلحين وتأليف وغناء أكثر من أغنية في مديح بشار الأسد ونظامه وجيشه، في السنوات الأخيرة من الزمن السوري، في الوقت الذي شرد وهجر بشار الأسد ونظامه وجيشه ملايين السوريين، وقتلوا وتسببوا بقتل ما لا يقل عن مليون سوري، ودمروا أكثر من نصف سوريا، بحيث أصبحت المدن السورية تشبه الأطلال، وأصبحت سوريا بلدا مقسما ومجزءا ومحتلا من احتلالات مختلفة، ومركزا لتصفية حسابات المجتمع الدولي مع بعضه، وبؤرة لحل خلافات دول العالم.
ومع ذلك ينسى المدعو وحيد زاهر كل هذا، ويطلق أغانيه في مديح هذا النظام الفاشي، طبعا لا داعي للقول إن ما يقدمه لا يمت للفن الغنائي بأي صلة، لا من حيث الكلام ولا اللحن ولا حتى الصوت، فمن الواضح أنه ليس أكثر من معتاش، وجد من يدفع له كي يسجل ما يدعى زورا أغنيات، تمدح نظاما مكشوفا للجميع بمدى إجرامه، ولكن ذات يوم، حين ستنتهي هذه المأساة فإن هذا المدعي سينتهي معها، ولن يتبقى له أثر، فهو ظهر معها وسيختفي معها، لا تاريخ له كي يذكره أحد ما لا بالخير ولا بالشر.
أعادني الشريط المصور لهذا المدعي إلى سبعينيات القرن الماضي، إبان الحرب الأهلية اللبنانية، حين استقبلت سوريا الكثير من اللبنانيين، حينها بدأت تظهر أغنيات لمطربين لبنانيين معروفين تشكر سوريا وتمدح الرئيس السوري آنذاك حافظ الأسد، كانت تلك الأغنيات هي فاتحة سلسلة طويلة من الفن الغنائي المادح للأنظمة، والمذكر بشعر المديح عند العرب القدماء، حين يقوم شاعر ما بإلقاء قصيدة مدح أمام الحاكم فيكافئه الحاكم بالدنانير، كانت تلك مهنة بحد ذاتها، واستمرت طويلا، ووصلت إلى القرون الحالية، حيث كانت الأنظمة الاستبدادية تستقدم شعراء لمدحها، ولو أردنا تسمية الشعراء الذين مدحوا جمال عبد الناصر وصدام حسين وحافظ الأسد، وغيرهم من الزعماء الأقل استبدادية، لوجدنا كثرا ومنهم شعراء حقيقيون ولهم تاريخ شعري طويل ومؤثر، هذا بحد ذاته يستدعي سؤالا عن دور الفنون في التاريخ، بحيث تبدو نظرية أن الفن محمي من التلوث بأمراض السياسة والمجتمع نظرية ساذجة، فالواقع يقول إن الفن كان يستخدم دائما في السياسة، يذكر التاريخ البشري في هذا المجال أسماء مهمة في الثقافة والفن ممن دعموا الحركات الفاشية والنازية وزعمائها في العالم، نيتشه وفاغنر وخوان ميرو هم بعض هذه الأسماء، لم ينس التاريخ ذلك، رغم عظمة هذه الأسماء وتأثيرها المباشر في الحضارة البشرية.
و: هنا يخطر السؤال التالي: هل يحق، أخلاقيا، استخدام الفن في الخلافات السياسية المؤقتة أيضا؟ أسأل هذا السؤال وأنا استمع إلى مطربين عرب خليجيين، محبوبين ومعروفين، وهم يقدمون أغنية أقل ما يمكن وصفها بأنها مبتذلة، تسيء لبلد عربي آخر، هل يحق فعلا للسياسيين جر الفن إلى منطقتهم؟ وهل يحق للفنانين (المحترمين) هذا الانجرار المبتذل؟
بقلم : رشا عمران

رشا عمران