كتاب وأراء

لا سقف لبشاعة ما يحدث للسوريين

ليست الجريمة بمسدس كاتم للصوت هذه المرة، ولم تطل شبابا ذكورا كعادة الجرائم السياسية التي حصلت مع السوريين مؤخرا في تركيا، حيث تجمع الكثير من السوريين والناشطين منهم على وجه الخصوص.
ثمة ما هو فريد في الجريمة الجديدة، الجريمة حدثت في اسطنبول، أي ليس في المدن القريبة من الحدود السورية كما باقي الجرائم، والضحيتان: أم وابنتها، سيدتان ناشطتان ضد النظام السوري منذ بداية الثورة، ومن يعرفون الأم، الشهيدة عروبة بركات، يتحدثون عن جذرية موقفها ضد النظام السوري، ومؤخرا ضد المعارضة السياسية بهيئاتها المختلفة، إذ كتبت على صفحتها على الفيسبوك العديد من المنشورات التي تهاجم فيها المعارضة وتحملها مسؤولية الفشل الذي أصاب جسم الثورة، وابنتها، الشهيدة حلا، شابة ناشطة وحاصلة على تعليم عال وتعمل في مؤسسة إعلامية معارضة لنظام الأسد، والجريمة، كما قيل عن الشرطة التركية، تمت ذبحا بالسكاكين، وحدثت قبل يومين من اكتشافها.
المجرمون وضعوا فوق الجثتين مواد معطرة كي لا تنتشر رائحة الموت باكرا، وهذا يعني أن الجريمة مخطط لها سابقا، مما يبعد قليلا الشبهة الجنائية عن الجريمة لصالح الشبهة السياسية، فلم يسمع عن قاتل يقتل بقصد السرقة أو بقصد أي نية جنائية أنه يفعل هذا، التغطية على رائحة تعفن الجثث هو فعل مدروس مسبقا.
وربما كان القصد من ورائه هو خروج القاتل من محيط الجريمة القريب أوالبعيد قبل اكتشاف الجريمة! وهو ما لا تفعله سوى أجهزة أمنية وأذرعها، فهل نظام الأسد الأمني هو من ارتكب هذه الجريمة؟!.
ليس هذا ببعيد أبدا، فالجرائم التي ترتكب في سوريا منذ 2011 لا تقل هولا وفظاعة عن هذه الجريمة، ويمكن لنظام الأسد أن يفعلها وربما بها يؤسس لمرحلة اخرى من الحرب على معارضيه، ويمكن أيضا أن يكون مرتكب الجريمة طرفا آخر، فالحسابات السياسية قد اختلطت بعضها ببعض في هذه المرحلة الخطيرة من الوضع السوري.
والشهيدة الأم كانت منخرطة في العمل السياسي الإجرائي في مؤسسات المعارضة، ويبدو أنها كانت على اطلاع واسع بما يحدث، وهو ما تدل عليه منشوراتها على الفيسبوك. هل من الممكن أن يرتكب أحد من المعارضة جريمة كهذه؟!.
لا شيء يدل على ذلك، مثلما لا شيء يدل على عكسه، بينما تدل كل الإشارات إلى مسؤولية النظام السوري عن ذلك، حتى لو لم يصدر الأمر بالقتل، إذ يكفي أنه هو من أوصل سوريا والسوريين إلى الحال التي وصلت إليه الآن، كي يتحمل مسؤولية موت أي سوري قتلا أو قهرا أو حزنا أو مرضا أو غرقا أو حرقا أو انتحارا، أو بأية طريقة أخرى من طرق الموت التي اختبرها السوريون خلال السنوات الماضية، والتي تشكل جريمة قتل السيدة عروبة بركات وابنتها الشابة حلا، ذروة البشاعة فيها. هل هو قدر السوريين حاليا أنهم كل ما قالوا أن البشاعة قد وصلت إلى مستواها الأعلى، فاجأتهم الحياة بمستويات جديدة ومختلفة من البشاعة وفتحت لهم نوافذ جديدة لمزيد من الوجع والقهر وأغلقت كل منافذ الضوء والهواء والأمل؟!.
بقلم : رشا عمران

رشا عمران