+ A
A -
غصبَ أحدُ الولاة رجلًا من العقلاء ضيعةً له، فأتى إلى أبي جعفر المنصور شاكيًا...
وقال له: يا أمير المؤمنين أأذكرُ حاجتي أم أضرب لكَ قبلها مثلًا؟
فقال له أبو جعفر: بل اضربْ قبلها مثلًا!
فقال: إن الطفل الصغير إذا نابه أمر فزع إلى أمه ظنًا منه أن لا ناصر له غيرها، فإذا ترعرع واشتد كان فزعه إلى أبيه، لعلمه أنه أقوى، فإذا بلغ وصار رجلًا فزع إلى الوالي لعلمه أنه أقوى من أبيه، فإن لم ينصفه فزع إلى السلطان لعلمه أنه أقوى من الوالي، وقد نزلت بي نازلة وليس أحد أقوى منكَ إلا الله، فإن أنصفتني كان بها، وإن لم تفعل رفعتُ أمري إلى الله!
فقال المنصور: بل ننصفك!
فكتب إلى الوالي كتابين: الأول يأمر فيه بردِّ الضيعة والثاني فيه عزل الوالي!
أخبَرُونا أن القانون لا يحمي المغفلين!
هذا قانون الأرض، وبروتوكولات المحاكم، ودين القضاة، أما السماء فلها قانون آخر يقول أن دعوة المظلوم ليس بينها وبين الله حجاب، وأن الله يستجيب دعاء الكافر المظلوم على المسلم الظالم، لا حبًا بالكافر ولا بغضًا بالمسلم، ولكن حبًا للعدل وبغضًا للظلم!
يمكنك أن ترشي قضاة الأرض، وتشتري ذمم الشهود، وتزوّر العقود، لكن هذا ليس نهاية المطاف، المطاف نهايته في صحيح مسلم: «من اقتطع حقّ امرئ مسلم بيمينه فقد أوجب الله له النار وحرّم عليه الجنة»! فقال له رجل: وإن كان شيئًا يسيرًا يا رسول الله، فقال: وإن كان قضيبًا من أراك»!
يمكن للمحكمة أن تقتنع بحجتك، فيقضي القاضي لكَ، فأنتَ فصيح ومتنفذ وخصمك بسيط مسكين، ولكن هذا ليس نهاية المطاف أيضًا، المطاف نهايته في صحيح البخاري: «إنما أنا بشر، وإنكم تختصمون إليَّ ولعل بعضكم أن يكون أبلغ من بعض، فأقضي له على نحو ما أسمع، فمن اقتطعتُ له شيئًا من حقّ أخيه فلا يأخذه فإنما أقطع له قطعة من نار»!
ثم ليس بالضرورة أن يكون هناك محاكم، لتضيع في أروقتها الحياة، ثمة حقوق تضيع في أروقة الحياة، يجهلها قضاة الأرض، ويعلمها قاضي السماء، فإياك أن تكون خصمًا لشخص ليس له إلا الله يشكوك إليه!
لا يغرنّك أنك مدير متنفذ وهو موظف مسكين، لربما نمتَ ليلة ذات ليلة، فقام هو فتوضأ، وصلى ركعتين، ثم رفع يديه وقال: اللهم إني مغلوب فانتصر، فينتقل ملف القضية من الأرض إلى السماء، فيقول لها الله: وعزتي وجلالي لأنصرنّك ولو بعد حين!
لا يغرنك أنها زوجة مقطوعة من شجرة فتظلمها لربما كانت خير من ملء الأرض من أمثالك فرفعت يديها ودعت عليك!
لا يغرنك أنك أمسكت يد أبيك وهو في سكرات الموت ووقعت بها على عقود بيع وشراء فحرمتَ إخوتك من حقهم في الميراث، فإن كل لحم نبتَ من حرام فالنار أولى به!
لا يغرنك أن حماتكِ عجوز متهالكة في بيتك فتذيقيها الأمرين، غدًا تصبحين حماة وسيرد إليك الصاع صاعين!
لا يغرنك أنه جارك المسكين فريسة سهلة لتسلبه متر أرض، لا يوجد أقوى من مسكين ليس له إلا الله.

بقلم : أدهم شرقاوي
copy short url   نسخ
28/09/2017
4454