كتاب وأراء

في البحث عن المشتركات

على موقع الفيسبوك الأزرق هناك صفحة أنشأها سوريون خارج سوريا تحت اسم مطبخ غربة، الصفحة التي بدأت بعشرة أسماء قبل عامين أصبحت اليوم تضم أكثر من عشرين ألف مشترك فيها، والصفحة كما يبدو من اسمها خاصة بالطبخ والطهي ووصفاته، سيقول أحد ما إن الفيسبوك يعج بصفحات كهذه، فما الجديد أو المميز في صفحة مطبخ غربة يستحق الحديث عنه؟
وسيكون محقا في قوله لولا أن لصفحة مطبخ غربة أكثر من خاصية وميزة تجعل الحديث عنها خاصا، فالصفحة، أيضا كما يبدو من عنوانها، تجمع سوريي الشتات واللجوء والاغتراب مع سوريي الداخل، وهي أيضا تستعيد ثقاقة الطعام السوري وتراثه الذي يكاد يندثر تماما، عبر استعادة وصفات طبخ سورية قديمة من كل بيئات سوريا ومحافظاتها، هي أيضا، وعبر المشتركين فيها، تقدم مزجا جميلا وشهيا بين وصفات الطعام السوري مع وصفات الطعام في البلد الذي يعيش فيها حاليا صاحب الوصفة.
والمشتركون الفاعلون في الصفحة هم في غالبيتهم أناس عاديون، أقصد أنهم لم يمتهنوا مهنة الطبخ، هم سيدات بيوت، أو شباب وصبايا يعيشون منفردين في بلدانهم الجديدة، ووجدوا في الصفحة متنفسا سوريا مفتقدا وضائعا، أما الأهم من كل ذلك فهو أن هذه الصفحة هي صفحة عابرة للانتماءات السياسية والدينية والمذهبية السورية، وعابرة للتحزبات والتخندقات، فهي تجمع الجميع، المتطرفين في معارضتهم لنظام الأسد والمتطرفين في تأييدهم له والواقفين في المنتصف، والعقلانيين، والمتدينين والعلمانيين اللادينيين، وكلٌ يقدم وصفاته الخاصة لطبق ما، يضع صور خطوات تطبيق الوصفة ثم صورة بعد اكتمال عملية الطهو ووضع الطعام على السفرة، حتى لو كانت الوصفة أو الصورة لا تتناسب مع عقيدة آخرين مشتركين بالصفحة، دون أن يعترض هؤلاء أيضا أو يحتجوا على ما يقدمه الآخرون، ستلفت متابعة الصفحة نظر المهتم إلى ليبراليتها، وقدرة السوريين المشتركين فيها على احتمال هذه الليبرالية حتى لو كانوا بنيويا ونفسيا ضدها، وستلفت النظر أيضا إلى قدرتهم على نبذ خلافاتهم جانبا، والبحث عن المشترك الجامع فيما بينهم، والوقوف في وجه كل من يعكر صفو هذا التوافق بكلمة أو تعليق!.
وهذا حقا يستدعي أسئلة طويلة عن الانقسامات الحالية المرعبة في المجتمع السوري، وعن العنف اللفظي غير المسبوق المرافق له، والذي يظهر على صفحات التواصل الاجتماعي في أي حوا ر أو نقاش بين السوريين، سواء أكان سياسيا أم اجتماعيا أم دينيا ومذهبيا، يمكن للمتابع أيضا أن يلاحظ أن قسما كبيرا من مشتركي صفحة غربة المسالمين في الصفحة والقابلين لاختلافهم مع الآخرين هم في صفحاتهم الشخصية رافضون لأي حوار مع الآخر.
بقلم : رشا عمران

رشا عمران