كتاب وأراء

الحرب الدعائية و«الذباب الإلكتروني»

لعبت مواقع التواصل الاجتماعي الكبرى خاصة الفيسبوك وتويتر وموقع مقاطع الفيديو «اليوتيوب» دورا مهما في مجال تشكيل التوجهات الجماعية وخلق تصوّرات متقاربة حول قضايا عامة خاصة في المجال السياسي.
ومن هنا نفهم الدور المهم الذي لعبته شبكات التواصل في تطوير الوعي السياسي لجموع الناس حيث تحولت الأفكار الممنوعة في المجال العام «المراقب رسميا» أعني الصحف والإذاعات والتليفزيون الرسمي إلى رؤى معلنة على صفحات المواقع الالكترونية تتغذى من كل المناقشات والتعليقات والإعجاب المتبادل بين الأعضاء.
وهو ما جعل الخوف من السلطة يتراجع تدريجيا على الأقل في ظل استخدام أسماء مستعارة في مرحلة أولى وهو أمر يمكن أن نلاحظ أثره الفعّال والمهم في المراحل المختلفة التي مرّت بها الثورات العربية. بالإضافة إلى الدور الريادي الذي لعبته قناة الجزيرة ومنذ انطلاقتها الأولى في خلق مجال عمومي يطرح القضايا الساخنة والمهمة خارج التناول الرسمي المعتاد بمحاذيره الكثيرة.
بعد نجاح الثورات العربية وتفطن أنظمة الاستبداد العربي لأهمية مواقع التواصل وفي ظل رغبتها الشديدة في إفشال الثورات العربية كان عليها أن تعيد ترتيب حساباتها وتوظيف ذات الأدوات التي استخدمتها الجماهير في تنظيم صفوفها من اجل دعم الثورات المضادة وإطاحة الحكام الجدد الذين افرز تهم الانتخابات الحرة التي جرت في دول الربيع العربي.
ومن هنا تم توظيف مؤسسات عاملة في مجال الدعاية لتخلق ما سُمي لاحقا باللجان الالكترونية التي نشطت بقوة في سنة 2012 وما بعدها عبر إغراق الساحات الافتراضية والمواقع الالكترونية بمواد دعائية مكثفة جمعت بين السخرية من الثورات التي تطالب بالحرية والترويج لمنطق الهزيمة والدفع نحو خلق رأي عام مضاد تم خداعه عبر أدوات التواصل تمهيدا لما جرى لاحقا من انقلابات عسكرية أو سياسية أو دفع نحو الحرب الأهلية وكانت الغاية واحدة هي إفشال الربيع العربي وكانت الأدوات هي أولئك المجندين للعمل ليلا نهارا من اجل تشويه الثورات واستهداف داعميها عبر أشكال مختلفة من الدعاية السوداء. مع سعي دائم لمحاصرة قناة الجزيرة ومنع وصولها للرأي العام عبر التشويش عليها تقنيا وصولا إلى المطالبة بإغلاقها صراحة.
ولم تقتصر الحملات على تشويه الثورات وإنما استهدفت دولا بعينها وشخصيات فكرية أو دينية اعتبرتها الجهات النافذة في دول الاستبداد العربي مصدرا استلهمه الجمهور من اجل التحرك في الساحات والتمرد على أنظمة الطغيان. لقد كانت الجهات التي تحرّك هؤلاء المجنّدين من اجل الهيمنة على المواقع الافتراضية تقوم على استخدام مخطط واضح ومحدد يقوم على ما يلي الترويج لخطاب واحد يهاجم الثورات ويتولى تقزيمها أمام الشعوب ثم التركيز على دول بعينها ومهاجمتها بكثافة من اجل الإيحاء بوجود رأي عام رافض للثورة ونادم عليها من خلال خلق آلاف الحسابات الوهمية على الفيسبوك وتويتر وإغراق المشهد بآلاف المواقع الالكترونية التي تقوم باختراع الأكاذيب وصنع الدعايات والإشاعات التي هي في غالبها تركز على مخاطبة الجانب الساذج في الوعي الجمعي وخلق قضايا وهمية لإشغال الرأي العام والتحكم فيه وبشكل متزامن بما يؤكد أن من يضع الخطط ويختلق الدعايات إنما هي غرفة عمليات واحدة هي ذاتها التي تستهدف اليوم دولة قطر عبر ما يُصطلح عليه بالذباب الالكتروني الذي يتم تحريكه بشكل آلي وباستخدام تعبيرات متشابهة سواء من خلال التجريح في الشخصيات العامة عبر ألفاظ سوقية منحطة أو نشر إشاعات مغرضة وانتهاء باعتماد آليات الاختراق «كما حصل لموقع وكالة الأنباء القطرية» من اجل تمهيد الطريق أمام حكام أنظمة الاستبداد لاتخاذ قرارات عدائية وشن معارك وهمية تدل على مدى انحطاط أصحابها وضحالة وعيهم السياسي. ولأن الحقيقة أعمق من أن يُشوش عليها طنين الذباب كان من الطبيعي أن تنكشف بواطن الأمور بعيدا عن الأكاذيب المفتعلة لأن معركة الوعي التي يخوضها الجمهور العربي اليوم هي التي ستحدد مصير المنطقة في المرحلة القادمة، وهذا ما يجعل السعي نحو فضح الممارسات الدعائية لأنظمة الاستبداد عملا مهما تخوضه القوى التي تنتصر للحرية دولا ومنظمات وأفراد من اجل مستقبل أفضل.

بقلم : سمير حمدي

سمير حمدي