كتاب وأراء

خِريجُونا وحتميّات الواقِع الجديدَة

منذُ أيام احتفلت جامعة قطر بعُرس تخريج الدفعة الأربعين من طلابها وطالباتها الذين قطعوا شوطًا أساسيًا من أشواط حياتهم التعليمية، وأصبحوا الآن جاهزين للولوج إلى سوق العمل العريض بكُل ثقة فيما اكتسبوه من معارف ومهارات، ليقوموا بترجمتها على أرض الواقع، وفي الحقيقة تميّزَت هذه الدفعة عن سواها من الدُفعات الجامعية التي تفتخر بها الجامعة والوطن كونَها دفعة استثنائية خرجت إلى النور في زمنٍ استثنائي يعيش فيه هذا الوطن تحدّيًا محليًا ودوليًا حقيقيًا، وأرجو أن تكون هذه الموارد البشرية المجهزة من خريجينا على قدرٍ عالٍ من المسؤولية والدراية بطبيعة التحديات الجديدة التي ستواجههم في الفترة القادمة لأجل بناء غدٍ مشرق متكئين على مواردنا وسواعدنا الخالصة دون اللجوء الى أي مددٍ خارجي إلا في أضيق الأحوال.
قارئي العزيز، إنَّ تنمية الموارد البشرية من أهم المطالب التي تسعى إليها الرؤية الوطنية الفتية لدولة قطر 2030، فالأهداف القصيرة والطويلة الأمد في هذا الجانب ستضمن البناء السليم للمجتمع القطري الذي سيحقق تطلعات الشعب ورغبات قيادتنا الرشيدة، إنَّ على خريجينا السعي إلى تنمية مهاراتهم ومداركهم بشكل مكثف من خلال اقحام نفسهم في دوامة التعليم اللذيذة من جديد والاستفادة من فرص التدريب والتطوير المتاحة في فضاء التدريب المهني، وعليهم أن يسعوا بشكلٍ جاد إلى تحقيق الموازنة بين التحديث والمحافظة على التقاليد، وبين تلبية احتياجات سوق العمل القطرية الجديدة في زمن الحصار، وما سبقه من انخفاضِ حادّ في أسعار النفط والغاز جرّاء التطورات الأخيرة في سوق الطاقة العالمي.
أرجو أن ينقضي سريعًا زمنُ الهدنة بين التخرج ومعترك الحياة الحقيقي في ميدان العمل والعطاء، علينا اليوم أكثر من أيِّ يومٍ مضى أن نستفيد من دروس الأمس ونأخذ في عين الاعتبار الحتميات الجديدة، لنسد الثغرات في محلها أينما كانت ضمنَ إطارٍ من التخطيط والمنهجية المدروسة، فتفعيل الطاقات البشرية الشابة من أهم عناصر التنمية الشاملة في كافة المجالات الاقتصادية والاجتماعية، وهو لا يتأتّى إلا من خلال التخطيط السليم واستيعاب كافّة المتغيرات ومواءمة برامج التأهيل الوطنية مع متطلبات العملية التنموية الوطنية، إنَّ آفاق العولمة الرحبة وتحديات سوق العمل الجديدة مع دخول الألفية الثالثة تجعلنا نلجأ إلى التنمية البشرية الشاملة، فالرأسمال البشري ليس ضمانًا لسعادة الإنسان ورفاهه بعد اليوم، حيثُ لابدّ من استثمار لهذا الرأسمال بهدف تحقيق الغايات الإنسانية السامية التي تجعلنا نتجاوز على المفهوم المادي الوضيع للرفاه الإنساني إلى معانٍ أعمق وأجل كتأسيس حياة إنسانية كريمة تشمل فيما تشمل الحرية والقوة الاقتصادية والاجتماعية وتوافر الفرَص لاكتساب المعرفة والإبداع والإنتاج والكرامة الإنسانية.
إنَّ التعليم العالي أصبح اليوم آلية فعالة لتحقيق التنمية الاقتصادية والاجتماعية، وجامعة قطر تميزت في هذا المضمار بشكلٍ لافت وذلك من خلال ريادتها وقدرتها على الاستفادة من مقوماتها المادية المتعددة من أجل تحقيق رسالتها العلمية والاجتماعية، وإنَّ تخريجها لأربعين دفعة من الموارد البشرية والسواعد المتأهلة لهو دليلٌ على خدمتها الجليلة لهذا لوطن العظيم، ويبقى أنَّ يرُد هؤلاء الخريجون هذا المعروف ويحققوا الكثير من الآمال والأحلام المعلقة بهم، حيثُ نعول عليهم الكثير، الكثير لأجل غدِ أفضل لنا وللعالمين.
إعلامية وباحثة أكاديمية
بقلم : خولة مرتضوي

خولة مرتضوي