كتاب وأراء

سياسات الهدم والتخريب .. ادوار مشبوهة

رغم أن المعتاد في المنطقة العربية هو تحميل الاستعمار والتدخل الأجنبي مسؤولية التخلف وغياب التنمية وانتشار الجهل وهيمنة نظم الاستبداد إلا أن ما كشفته الاحداث بعد الثورات العربية الأخيرة أن دولا عربية بعينها تقتات على إفشال كل محاولات النهوض العربي وتدفع نحو تحطيم كل محاولة للتحرر الفعلي على المستوى الشعبي وضرب كل التطلعات نحو بناء دولة المواطنة.
فمع بشائر التحولات الكبرى التي هزت المنطقة العربية سعت أنظمة الاستبداد العربي إلى دعم الجهات المتسلطة من اجل فرض الأمر الواقع وإفشال كل صور إعادة البناء والتطلع إلى مستقبل أفضل. فكان أن تم دعم الانقلاب العسكري في مصر وإجهاض محاولة الشعب هناك في بناء نموذج سياسي عادل يقوم على تأسيس دولة الحقوق والحريات. وهو ما جرى في ليبيا بشكل مغاير من جهة الدفع نحو إفشال المصالحة الوطنية والتركيز على دعم مليشيات خليفة حفتر وإضعاف الشعب الليبي من خلال التأثير على وحدته الوطنية وصولا إلى ضرب وحدة ترابه الوطني. وفي دور شبيه حاولت أنظمة الاستبداد العربي التلاعب بالمشهد السياسي التونسي من خلال الدفع بقوى سياسية محددة لإفشال التوافق الوطني والدعوة إلى الانقلاب على المسار الديمقراطي ولولا يقظة القوى السياسية الكبرى في البلاد ووطنية الجيش التونسي لذهب البلد لم لا يحمد عقباه.
ولم تتوقف محاولات ضرب كل نزوع نحو التقدم في المنطقة العربية عند التلاعب بدول الثورات العربية عبر الانقلابات والدسائس السياسية وتغذية الحروب الأهلية وإنما انتقل نحو محاولة إفشال أي نموذج ناجح لدولة عربية وهو أمر تجلى أساسا في محاصرة قطر وتحميلها كل شرور العالم وكان الهدف فيما يظهر من مواقف معلنة لمسؤولي أنظمة الاستبداد يتراوح بين تكميم الأفواه من خلال المطالبة بإغلاق قناة الجزيرة مرورا بمحاولة إفشال تنظيم قطر لكأس العالم وليس انتهاء بالحملة التي رافقت انتخابات منظمة اليونسكو.
إن الجامع بين السلوك السياسي العام لأنظمة الاستبداد العربي هو رغبتها في لعب ادوار شيطانية تتراوح بين بث الفرقة والتحريض والتحشيد والشيطنة وصولا إلى التحالف مع العدو الإسرائيلي واعتباره حليفا محتملا في التآمر على الأشقاء العرب. فما يجري اليوم اعقد من أن يكون مجرد خلاف سياسي بين دول بقدر ما هو سعي محموم نحو تدمير الذات عبر تحطيم كل عوامل النهوض العربي أو التعاون المشترك من خلال قرارات هوجاء تفتقر إلى الحكمة والحصافة.
والأكيد أن ما يجري اليوم سيكون له مفاعله وتأثيراته على المنطقة مستقبليا فقد تحولت أنظمة الاستبداد العربي إلى عائق فعلي أمام كل محاولة للتطوير والنمو وهي التي تجتر خطابا عدائيا تحريضيا مريضا يثير الفتن بما يتجاوز الأنظمة نحو خلق العداوات بين الشعوب العربية ذاتها. الغريب أن هذه الأنظمة تحاول استرضاء القوى الدولية عبر خدمتها بما يدمر محيطها الإقليمي وامتداداتها الاستراتيجية بل وبدأت هي ذاتها تدفع ثمن سياسياتها الهوجاء قبل غيرها فما يجري فيها من صراع سياسوي ومن حالة احتقان مجتمعي ينبئ عن تطورات لاحقة لا تخدم هذه الأنظمة ذاتها لو كانت تدرك الأمور بعقلانية.
إن ما تفعله هذه الأنظمة بشعوبها وتلاعبها بمستقبل المنطقة يكشف أن تهديدها لمصالح الشعوب أصبح يتجاوز ما تفعله الدول الاستعمارية ذاتها وإلا كيف نفسر أن دولة تعاني جزرها الثلاث من احتلال إيراني تركز كل جهودها ليس لتحرير أرضها وإنما لضرب الاستقرار في دولة جارة وشقيقة تجمعها بها أواصر التاريخ والقربى؟ وكيف نفهم أن تدخلا عسكريا في اليمن كانت غايته إعادة الشرعية ينتهي بدعم القوى الانفصالية ودفع البلاد إلى حالة من المجاعة وانتشار الأوبئة والتمهيد للتشطير؟ ألا تشكل كل هذه الاحداث مؤشرا عن مدى خطورة أنظمة الاستبداد العربي وضياع بوصلتها السياسية بشكل يجعل كل سلوكها الأهوج يصب في خدمة الأعداء ولا يقدم شيئا للمنطقة العربية غير مزيد تأبيد الاستبداد والفقر وشيوع العنف والإرهاب؟ وقديما قيل يفعل الأحمق بنفسه ما لا يفعله العدو بعدوّه.

بقلم : سمير حمدي

سمير حمدي