كتاب وأراء

نحن أصحاب المؤامرة وصناعها

لا يكاد يمر يوم على أمتنا العربية، منذ سنوات، إلا وتزداد القناعة بأن الحديث عن مؤامرات خارجية تستهدف النيل من وحدة هذه الأمة، هو حديث لا يمت إلى الواقع بصلة، ومجرد ذر للرماد في العيون، وتغطية عما تقوم به أنظمة غالبية دولنا العربية ضد شعوبها، وضد شعوب وأنظمة الدول العربية الأخرى.. ففي الوقت الذي توجه الاتهامات فيه إلى الغرب الأميركي والأوروبي، وإلى إسرائيل، بأنهم السبب الأول في حالة الانحدار الذي وصلت إليها هذه الأمة البائسة، يستمرئ الحكام العرب هذه الحالة، ويوجهون مرتزقة الإعلام العربي لتكريس هذه النظرة لدى الشعوب، في الوقت الذي يتحالفون فيه مع دول (المؤامرات)، ويقدمون لها فروض الطاعة والولاء صبحاً ومساءً، ويتعاونون معها أمنياً وعسكرياً ضد بقية الدول والحكام العرب، ولم يعد الأمر مجرد تحالفات واتفاقات سرية يتم تسريبها بطريقة أو بأخرى، بل أصبح علانية ومجاهرة، ومدعاة للمفاخرة، وإمعاناً في إذلال الشعوب العربية وجرها نحو الحضيض، هذه الشعوب التي عاشت منذ عقود طويلة من الزمن على بروبوغاندا الأنظمة والزعماء والسياسة، وجهلت وفقرت وتم التلاعب بوجدانها الوطني والاجتماعي، ودمرت وشوهت نفسياً وخلقياً، وفتك بها على كل الأصعدة حتى لم يبق لها ما يمكنها أن تستند عليه نحو مستقبلها، وعاشت على انتصارات وهمية، بينما هي غارقة في هزائمها المتلاحقة، العسكرية والسياسية والاقتصادية والاجتماعية والحضارية، وعاشت على شعارات خلبية استخدمتها الأنظمة كي تبقى هذه الشعوب في انحدارها ولا تفكر برفع رأسها مطالبة بأقل حقوقها.
فإذا ما حدث ذلك وتمردت تلك الشعوب، كما حصل منذ بداية 2011، فإن شياطين الأرض جاهزة لإعادة تدجينها، بالقتل والتفجير والذبح والاعتقال والتعذيب والتجويع والتهجير والتشريد، بحيث يصبح البحث عن أمان في (دول المؤامرات) الغربية هو هدف ومسعى للنجاة من الموت الذي قوبلت به مطالبة الشعوب بأقل الحقوق البشرية، وبينما الإعلام العربي المرتزق يبث إشعاعات الكراهية الدينية والمذهبية والقومية والقطرية نحو أبناء اللغة الواحدة، ويكيل الاتهامات لأبناء الأمة الواحدة بالتآمر على سيادة هذه الدولة أو تلك، ويغلق أبوابه وحدوده وتأشيراته في وجه الهاربين من الموت، يفتح (الغرب المتآمر) بلاده لاستقبال هؤلاء، صانعاً من معظمهم كوادر مستقبلية مهمة ترفد الحضارة الغربية بالمزيد، بينما يعيش ما تبقى من الشعوب العربية في ظل القهر والفقر وانعدام أي أفق لمستقبل قريب أو بعيد، وموزعي الولاء بين أنظمة فاسدة وعميلة كل ما يسيء للأوطان العربية، وبين زعامات دينية تدين بولائها للأنظمة نفسها، أو لأنظمة وأجهزة مخابرات لا تلقي بالاً لمآسي الشعوب وويلاتها.

بقلم : رشا عمران

رشا عمران