كتاب وأراء

الخـلـيـج وثقافة الريع

يذهب الكاتب الكويتي عبداللطيف الدعيج في سلسلة مقالات بعنوان: حلول بني نفط، نشرتها (القبس) الكويتية، مؤخراً، إلى أن ترشيد الإنفاق أو مكافحة الفساد، لم يعد ممكناً ولا قابلاً للتنفيذ، في مجتمع نشأت أجياله على الرفاه، وعلى الإسراف، وعلى توافر الخدمات الضرورية بشكل يكاد يكون مجاناً، كما أن معالجة الفساد مستحيلة حين تكون الجذور، أي الناس، هي الفاسدة، والشفاء صعب حين يكون الطبيب هو المعلول، ويضرب مثلاً برفع سعر البنزين، فعندما حاولت الحكومة رفع سعر البنزين،انقلبت الدنيا.
رغم ان كل المطلوب من المواطن الذي صفق للترشيد، هو أن يرشد استهلاكه، أي يقلل من اللف والدوران بسيارته، وكذلك الحال مع مكافحة الفساد، فالأموال التي تهدر بلا حساب، هي ما يصرف على المواطنين، بشكل قانوني، أو تلك التي يتم التحصل عليها باللف والدوران، والمواطن هو المسؤول عنه، بشكل أساسي.
يتساءل الدعيج: كيف يمكن أن يكون هناك ترشيد أو تنمية من دون ان يضحي المواطن؟! ويجيب: أنه بسبب تجذر المؤثرات الريعية النفطية التي سيطرت على جيلين أوثلاثة 2015-1950 والموروث الاجتماعي، والعقلية الريعية، فإن أي بحث لتنويع مصادر الدخل، يتجه إلى البحث عنها، خارج نطاق المواطن أو طاقاته، أي البحث عن نفط جديد، يوفر الثروة والدخل وفرص استمرار رفاه المجتمع الريعي من دون ان يشقى المواطن أو أن يجد ويجتهد، كما كان حال آبائه وأجداده، حيث كانوا يعتمدون على البحر والتجارة والزراعة والرعي.
ما يصدق على المواطن الكويتي، يصدق على المواطنين في الخليج، ولاشك أن المواطنين مسؤولون عن ترشيد الإنفاق، وضبط الاستهلاك، وتقليل أوجه الصرف، ولهم دورهم الهام في مكافحة الفساد، فالمولى تعالى لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم، لكن تحميلهم المسؤولية، وحدهم، حكم قاس.
إنها ثقافة مجتمع بأفراده ونخبه وقياداته ونظامه الاقتصادي المعتمد على مصدر احادي للدخل، هو الطاقة الأحفورية، وإذا كان لكل نظام اقتصادي، قيمه الثقافية والاجتماعية المصاحبة، فإن الطاقة الأحفورية التي شكلت ( ريعاً) لا يتطلب جهداً إنتاجياً أو عمليات تصنيعية تحويلية، للدول الخليجية، على امتداد 8 عقود، أفرزت سلوكيات سلبية، وأنتجت نمطاً ثقافياً سمي بثقافة الريع من أبرزسماتها: انتشار ظواهر التفاخر والتباهي بالماديات، والولع باقتناء أثمن الأشياء والماركات، والتلذذ بالاستعراض المظهري، إضافة إلى التبذيرالترفي، والإنفاق البذخي، وافتقاد الرشد في ضبط السلوك الاستهلاكي، وهي ظواهر منتشرة في أوساط شبابية مختلفة من الجنسين، وبخاصة لدى الجنس اللطيف، وفِي قطاعات مجتمعية غنية ومحدودة الدخل، تستدين لتنفق فوق طاقتها، مغبة المعايرة الاجتماعية! انظر كم المبالغ التي تصرف على حفلات الزواج في مجتمعاتنا! لطالما ندد خطباء المساجد بغلاء المهور وارتفاع تكاليف الزواج الخليجي، كونهما معوقين لزواج الشباب،ومسببين لظاهرة العنوسة، وظنوا أن الإكثار من الخطب والمواعظ الناهية عن الإسراف والتبذير، كفيلة بترشيد السلوكيات، وتغيير العادات الاستهلاكية، وغاب عنهم، أن الناس لا يتربون بالمواعظ، ولا يغيرون سلوكياتهم، في مجتمع محكوم بثقافة الريع الناتجة عن النظام الاقتصادي المهيمن، وهم في الحقيقة أسرى هذا النظام، وضحاياه، يشكل نمط الاقتصاد لأي مجتمع، مفتاحاً لفهم ظواهره الثقافية والسلوكية، غير نمط التوزيع الريعي يتغير الناس، لن يتغيروا بكثرة المواعظ، ولا ببلاغة الخطب، ولا بتكثيف حملات الترشيد الإعلامي، لقد أصبحت ظواهر المباهاة والتفاخر خصوصية خليجية كما يقول الكاتب السعودي عبدالعزيز السويد، وقد تجاوزت الخليج إلى عواصم أوروبية، في مواسم السفر، لتشكل مشاهد استفزازية، تشوه صورة الخليجيين، وتعرض أصحابها لاعتداءات.
أخيراً: الخليجيون أكثر من نقدوا ظواهر سياسات الريع، لجهة أنها تنتج أسلوب حياة اتكاليا على المكرمات، وطريقة تفكير آنية، وأداء حكومي بيروقراطي، وبيئة غير منتجة، وفساد إداري، وإصدارات( منتدى التنمية الخليجي) على مدى 37 عاماً، تشخيص دقيق لها، وكون (ثقافة الريع ) خاصية خليجية، لا يعني ان المجتمعات العربية، مبرأة منها، الاقتصاد العربي، في معظمه، ريعي، وهناك تجليات من هذه الثقافة الريعية، رصدها الباحثون في هذه المجتمعات، وبخاصة مصر.

بقلم : د.عبدالحميد الأنصاري

د.عبدالحميد الأنصاري