كتاب وأراء

الطفولة والفن


تقترن الطفولة كحضور، بالبراءة والصفاء والشغب الذي يمارس الحياة والمعرفة بالتعلم، والبقاء بالحلم اليقظ، ولذلك لا يمكن فصل التعبير عن الطفولة والجمال. والفن سواء كممارسة تلقائية يقوم بها الطفل ليتعلم ويستوعب الحياة، أو كصورة تعبيرية، يبقى الطفل بحاجة إليها ليبني قدراته وليؤسس مداركه ومعارفه وينمي مهاراته وخياله الذي يحوله إلى أفكار متناسقة لها وقعها. كما أن الفن يدرّب الطفل على تقبل وتنمية ثقافته البصرية واستيعاب الصورة والشكل في الفكرة المجسدة فنيا.
إن الممارسة الفنية للطفل سواء في التصوير أو الأداء والكتابة، تخلق منافذ تعايش وتبادل تساعده على التأقلم والتعبير والتخلص من حواجز تقبّل الآخر والاندماج العاقل مع ثقافات الانسان، وإثبات ثقافته الأصلية، فالفن قادر على النهوض بإنسانية الطفل، كما أنه يعتبر مجالا لفهم الطفل وقراءة ميولاته الاجتماعية والنفسية والتعرف على أفكاره وأحلامه واكتشاف عالمه، وبالتالي تساعد الفنون على صقل تربية الطفل وتوجيهه إلى المسارات الصحيحة وتحصينه من العدوانية والعنف والتطرف.
أما صورة الطفل في الفنون فهي انبعاث للأمل وتعبير عن الألم في المعنى الذي يقود إلى الحياة والواقع بمختلف التفاصيل، سواء الحالمة أو الموجعة أو المتفائلة؛ لأن الطرف الفني لصورة وحضور الطفولة يعبر عن الظلم والشتات وعن اليتم والحاجة، بمعنى أن الصور التي تحكي عن الفكرة سواء في الرسم والتصوير أو في الأدب تعكس القضايا والمواضيع التي تتحدث عن تلك الطفولة بتنوع واختلاف يسعى للنهوض بها لتكوّن جيلا فاعلا ولتجاوز عقدها ومآسيها حتى تصل إلى الأمان.
إن إشراك الطفل في التعبير بالفنون والتعبير عنها ينمي لديه الفكرة والخيال ويستوعب طاقته الداخلية ويرتب مساراته التي تقوده بذائقة خاصة إلى التميز والى التشكل الحقيقي مع الواقع والبيئة والهوية والطبيعة التي تحيله عناصرها على التكون والتشكل والتعامل الجماعي والتعبير المنطلق من أسس غير مقيدة بأغلال بالية ولا بصور نمطية؛ فالفن ابتكارات تحاكي الجيل والعصر والموهبة، والطفل أيقونة فرح وبناء مستقبلي للجيل ما يتيح له استيعاب ذاته في المجموعة والتعبير عنها ومنها في ظل كل التراكمات التي تدفعهم للتفسخ والعولمة التي تقوده إلى التماهي مع الجمود في العوالم الافتراضية والمشاعر المعلبة، فهو بالفن يحاكي الإحساس الحقيقي في وجدانه ويجد متعته ولذة تعبيره في الرسم والورق والألوان والصلصال، يصقل الموهبة ويصقل الذات دون أن ينفصل عن عالمه المليء بالخيال والحلم، فمن خلال التعبير الجمالي ندرك كيف يفكر أطفالنا ونستطيع أن نستوعبهم ونحن نتجاوز الصدامات والاغتراب النفسي الذي قد يبدو في عالم مليء بالعنف الواضح والصامت المقنع.
لقد عبر الفن عن تنوع المحتوى باختلاف جوانبه وتفاصيله وحالاته، فهو يعبّر عن تلك الحياة وتلك الإنسانية الحيّة التي تحتاج أن يسلط عليها الضوء لتكوّن جيلا خاليا من العقد والاضطرابات حيث يرمم الفن الموهبة ويسحق الاغتراب في المجتمع.
- ريم العبيدلي

ريم العبيدلي