كتاب وأراء

التعددية السياسية في الإعلام العمومي بتونس

صدر في شهر أكتوبر الحالي تقرير الهيئة العليا المستقلة للاتصال السمعي البصري المتعلق برصد التعددية السياسية في القنوات التليفزيونية والإذاعية. وقد جاء متضمنا لتفاصيل واسعة حول حجم الحضور الإعلامي للأحزاب والشخصيات الرسمية وممثلي مؤسسات الحكم. ويكشف تقرير الهيئة عن وجود جملة من الإخلالات في أداء الإعلام العمومي التونسي من حيث التغطية والتوجهات وإن كانت هناك جملة من الملاحظات العامة التي تتعلق بالحيّز الزمني لمداخلات الفاعلين السياسيين على القناة الأولى (تونس1).
حيث حظي ممثلو الحكومة بالنصيب الأوفر الذي بلغ 48.59 بالمائة ولتأتي بعدها من حيث النسبة مداخلات الفاعلين السياسيين المنتمين للأحزاب البرلمانية التي بلغت 46.31 وفي المقابل لم يكن نصيب ممثلي الأحزاب غير البرلمانية من الحضور الإعلامي لا يزيد عن 0.99 بالمائة على الرغم من العدد الكبير للأحزاب التونسية غير ذات التمثيلية النيابية. وفي المقابل فإن القناة العمومية الثانية (تونس2) تخصص غالبية الوقت للأحزاب البرلمانية بنسبة تصل إلى 87.90 وتأتي بعدها المداخلات الحكومية بنسبة تصل إلى 12.10 فيما تغيب الأحزاب الغير البرلمانية عن المشهد تماما. ومن الممكن تبرير هذا التفاوت الحاد الذي نلاحظه في تغطية القناة الثانية للنشاط السياسي هو اختصاصها في نقل فعاليات جلسات مجلس النواب وهو ما يعني غياب الأحزاب غير البرلمانية عن الصورة.
غير أن هذه التغطية غير العادلة لنشاط الأحزاب وغياب التوزيع الزمني العادل بما يضمن حضور ممثلي كل القوى السياسية على الشاشات الرسمية ينعكس من حيث التفاوت بين الأحزاب البرلمانية نفسها حيث يصعب أحيانا فهم، فضلا عن تبرير تخصيص حيّز زمني واسع لقوى دون قوى أخرى رغم تفاوت حجمها النيابي. فالقناة الثانية على سبيل المثال تخصص النسبة الأهم من الحيّز الزمني لممثلي الجبهة الشعبية اليسارية بنسبة تصل إلى 71.43 فيما يحل الحزب الحاكم نداء تونس في المرتبة الثانية بنسبة تصل إلى 23.24 من الوقت بينما تحل حركة النهضة في المرتبة الأخيرة بين الأحزاب البرلمانية بنسبة لا تزيد 0.22 من الحيّز الزمني العام المخصص لمداخلات الفاعلين السياسيين. وإذا كان من الممكن فهم المسألة بوصفها علامة على التنوع في التغطية الحزبية عندما يحل حزب معارض في مقدمة التغطية السياسية إلا انه من الأكيد انه يثبت مدى حضور عناصر اليسار في القنوات الرسمية وتسخيرهم للإعلام خدمة لتوجهاتهم الحزبية وإلا كيف نفهم تغييب قوى معارضة برلمانية أخرى فاعلة مثل التيار الديمقراطي ولماذا يتم استهداف حركة النهضة تحديدا رغم عدد نوابها الكبير في البرلمان، دع عنك أن يتم منح الفرصة لمداخلات السياسيين التابعين لحزب الحراك الذي يتزعمه منصف المرزوقي.
أما القناة الأولى وهي الأكثر انتشارا وحضورا في المشهد البصري التونسي فإنها في تخصيصها للحيز الزمني لمختلف القوى تحاول إيجاد نوع من التوازن دون جدوى، حيث تحل حركة النهضة أولا بنسبة 23.79 بالمائة وقريبا منها الجبهة الشعبية اليسارية بنسبة 19.86 وغير بعيد عنهما حزب نداء تونس بنسبة 18.38 ويليهم حزب مشروع تونس بنسبة 11.71 وكالعادة يتم تغييب حزب حراك تونس الإرادة بنسبة تقارب الصفر وتتقدمه أحزاب أخرى صغيرة.
فالمشهد العام من الناحية الإعلامية وكما تكشف عنه إحصائيات الهيئة يدل على حالة من غياب الإنصاف في تخصيص وقت للقوى السياسية المختلفة ورغم انه لا يمكن إنكار تحرر وسائل الإعلام الرسمية من هيمنة الحزب الواحد والخطاب الخشبي لسلطة الاستبداد زمن بن علي إلا أنها وقعت تحت هيمنة لوبيات أو رقابة العاملين فيها الذين يخدمون توجهات الأحزاب التي ينتمون إليها دون مراعاة مسألة أساسية وهي أن الإعلام العمومي ينبغي أن يكون شفافا ومعبّرا عن كل التوجهات الحزبية والسياسية الرسمية والمعارضة دون انحياز أو توظيف وهو الأمر الذي نلاحظ أن هذه الوسائل الإعلامية الرسمية لازالت بعيدة عنه. بالطبع لم نتحدث هنا عن وسائل الإعلام الخاصة والتي لعبت دورا سلبيا في عودة الثورة المضادة وخدمت أجندات الجهات الممولة لها وهي تستحق تحليلا خاصا بها انطلاقا من الإحصائيات التي أوردتها الهيئة وذاك حديث آخر.
بقلم : سمير حمدي

سمير حمدي