كتاب وأراء

الواقع حين يتفوق على الخيال

قبل أيام توفت والدة صديقة سورية تقيم في القاهرة، ولا يمكنها دخول سوريا بسبب موقفها الجذري ضد نظام الأسد، الصديقة أصلا من مدينة حلب، لكن من تبقى من عائلتها في سوريا انتقل للعيش في مدينة طرطوس الآمنة ومعهم والدتها، أصيبت والدتها فجأة بورم خبيث أكل كامل جسمها خلال مدة زمنية قصيرة جدا، صديقتي كانت تتابع حالة والدتها يوميا وتكلمها وتتحدث معها أثناء مرضها، صوتا وصورة، عبر السكايب أو الفيديو فايبر، حين دخلت والدتها بغيبوبتها الأخيرة كانت تراقب سكون جسدها عبر الفيديو المباشر، حين فاضت روحها قبل أيام، بعد صحوة قصيرة من الغيبوبة، كانت صديقتي تحادثها على الفيديو فايبر، وشاهدتها في لحظات حياتها الأخيرة، وسمعت شهقة الوداع الخفيفة التي أصدرتها لحظة فاضت روحها، لم يقتصر الأمر على ذلك، كان أحد أصدقاء العائلة يصور الجنازة والصلاة على الفقيدة تصويرا مباشرا وينقله لأفراد العائلة الموجودين خارج سوريا، الأصعب كان في الأمر هو لحظة إنزال الجسد الراحل إلى القبر، كنت مع صديقتي وقتها، وكان الفيديو فايبر مفتوحا في اتصال جماعي مع العائلة الموزعة في مدن مختلفة من العالم، البكاء والنحيب والحزن الشديد، لا يوحي أبدا بأن ما يحدث هو خلف الشاشة، بدا الأمر وكأن الجميع هناك، في المقبرة بجوار القبر المفتوح لفقيدتهم الغالية.
هل يمكن لخيال أحد ما، قبل مدة من الزمن، أن يتصور حدوث شيء كهذا ذات يوم؟ أن تصبح حياة البشر شبيهة بفيلم سينمائي؟ لا أتحدث هنا فقط عن تقنية الاتصالات الحديثة المذهلة، ولا عن الثورة التي أحدثتها في عالمنا المعاصر، أتحدث أيضا، وهو الأهم لي، عن كيف تتدمر إنسانيتنا شيئا فشيئا، كيف استطاع النظام العالمي الجديد، بكل ما فيه، من مافيات اقتصادية وسياسية، وشركات السلاح وسماسرته، وأجهزة المخابرات الدولية العابرة للقارات، والنظم العسكرية والأمنية الحاكمة في دول العالم الثالث، وحلفائها من المؤسسات الدينية ومرتزقة الطوائف والمذاهب، كيف استطاع تحويل العالم بأكمله إلى شركة، والبشر إلى موظفين صغار يمكن لأصغر مسؤول أن يتلاعب بمصائر حياتهم. ولعل ما حدث ويحدث للسوريين في شتات حياتهم داخل سوريا وخارجها، هو إحدى فضائح منهجية النظام العالمي الذي تلاعب بمصير شعب بأكمله.
حين يفكر الإنسان الطبيعي بلحظات رحيله عن العالم، سيفكر بأن يدفن بالأرض التي عاش عليها، وبجوار من سبقوه من أحبته، وبأن يشيعه إلى مثواه الأخير عائلته ومحبوه وأصدقاؤه، أن يلقوا عليه نظرة الوداع الأخيرة، هكذا ستشعر روحه بالاطمئنان لحظة مفارقتها العالم، هذا هو الطبيعي الذي كان يحدث في الحياة إلا باستثناءات قليلة، بيد أن ما كان طبيعيا أصبح هو الاستثناء لدى السوريين، يموت السوري ويدفن في أرض غريبة.
بقلم : رشا عمران

رشا عمران